وُلِدَ في مكة مكرَّمًا، وهاجر إلى المدينة فنوَّرها، وسكن القلوب فطهَّرها ﷺ 

 

مقال/ الإعلامي خضران الزهراني عاشق القلم 🖊

هناك رجالٌ يمرّون على الأرض، وهناك رجلٌ غيَّر الله به وجه التاريخ، وأحيا به القلوب بعد موتها، وأخرج به البشرية من ظلمات الجهل إلى نور الهداية… إنه رسول الله محمد ﷺ، الرحمة المهداة، والنعمة العظمى، والحبيب الذي تهفو إليه الأرواح وتدمع لذكره العيون.

وُلِدَ في مكة، فأصبحت مُكرَّمة…

يا مكة، يا أطهر بقاع الأرض، فيك وُلد خير البشر، وفي رحابك بدأت حكاية النور، ومن أزقتك انطلقت رسالة غيَّرت مسار الإنسانية. فيك بكى طفلٌ يتيم، لا يعلم أهل الأرض يومها أن ذلك اليتيم سيكون رحمةً للعالمين، وأن اسمه سيُذكر في الآذان، وعلى المنابر، وفي قلوب المؤمنين إلى قيام الساعة.

وُلِدَ محمد ﷺ يتيم الأب، ثم فقد أمه صغيرًا، لكنه لم يكن يومًا صغير القدر عند الله. عاش ألم اليُتم، ليكون أحنَّ الناس على اليتيم، وعرف مرارة الحاجة، ليكون أرحم الناس بالضعفاء والمساكين.

وهاجر إلى المدينة، فأصبحت مُنوَّرة…

خرج من مكة وقلبه معلَّق بها، وترك دياره التي أحبها، لا طلبًا لدنيا، ولا هربًا من رسالة، بل امتثالًا لأمر ربه، وحملًا لأمانة عظيمة. هاجر وفي طريقه تتجلّى معاني اليقين والتوكل، حتى استقبله أهل المدينة بقلوبٍ تفيض شوقًا ومحبة.

فيا طيبة، يا مدينة رسول الله، ما أعظم شرفك! احتضنتِ الحبيب ﷺ، واحتضنت أرضك خطاه، وفيك بُني المسجد النبوي، ومنك انتشر نور الإسلام إلى أرجاء المعمورة.

وما زالت القلوب إذا ذُكرت المدينة اشتاقت، وإذا مرّ اسم رسول الله على أسماعها رقّت، وكأن في داخل كل محبٍّ حنينًا لا ترويه المسافات، ولا تطفئه السنين.

ودخل قلوبنا، فأصبحت مُطهَّرة…

وهنا تكمن الحكاية التي تعجز الكلمات عن وصفها؛ فمحمد ﷺ لم يسكن قلوبنا لأننا رأيناه بأعيننا، بل لأننا عرفناه من سيرته، وقرأنا رحمته، وتأملنا أخلاقه، وسمعنا كيف عفا عمّن ظلمه، وكيف رحم الصغير، وأكرم الكبير، وأوصى بالنساء خيرًا، وحثّ على الإحسان إلى الجار، ورعاية اليتيم، وإغاثة الملهوف.

تخيّلوا قلبًا أُوذي، فاختار العفو… وقلبًا قُوبل بالجفاء، فاختار الرحمة… ونبيًّا عاد إلى مكة منتصرًا، وكان قادرًا على الانتقام، فقال لمن آذوه وحاربوه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

أيُّ قلبٍ هذا الذي لا تملؤه الكراهية؟ وأيُّ رحمةٍ هذه التي تجعل العفو أعظم من الانتقام، والتسامح أقوى من الغضب؟

يا رسول الله، ما أحوج عالمنا اليوم إلى أخلاقك! ما أحوج البيوت إلى رحمتك، والقلوب إلى سماحتك، والألسنة إلى صدقك، والأيدي إلى عطائك، والنفوس إلى تواضعك.

كم من إنسانٍ يحمل اسمك، لكنه يحتاج أن يتعلّم من أخلاقك! وكم من لسانٍ يصلّي عليك، لكنه يحتاج أن يتعلّم كيف لا يجرح قلبًا، ولا يظلم ضعيفًا، ولا يخون أمانة!

إن محبة النبي ﷺ ليست كلماتٍ تُقال، ولا دموعًا تُذرف فحسب؛ بل هي اتباعٌ لسنته، وصدقٌ في معاملتنا، ورحمةٌ بخلق الله، وأمانةٌ في أعمالنا، وإحسانٌ إلى أهلنا وجيراننا، ووفاءٌ للوطن، وتمسّكٌ بدين الله على بصيرة.

يا من تقرأ هذه الكلمات…

إن كان قلبك مثقلًا بالهموم، فتذكّر أن الله جعل في سيرة نبيه دروسًا للصابرين. وإن كنت قد أخطأت، فباب التوبة مفتوح، وإن ظلمك أحد، فلا تجعل الظلم يحوّلك إلى ظالم، وإن قسا عليك العالم، فلا تتخلَّ عن الرحمة.

وتذكّر أن أعظم ما تقدّمه حبًّا لرسول الله ﷺ أن تجعل من أخلاقه نورًا في حياتك، ومن سنته طريقًا تسير عليه، ومن رحمته خُلُقًا يراك الناس به.

وُلِدَ في مكة، فشرَّفها الله برسالته…

وهاجر إلى المدينة، فكانت دار نصرته…

وسكن قلوب المؤمنين، فصار حبُّه حياةً للأرواح وطمأنينةً للنفوس.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، اللهم ارزقنا صدق محبته، وحسن اتباع سنته، ومرافقته في الفردوس الأعلى، واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وارزقنا قلوبًا رحيمة، وألسنةً صادقة، وأعمالًا صالحة، واختم لنا بخير.

يا رسول الله، وإن حالت بيننا وبين رؤيتك القرون، فحبُّك في قلوبنا باقٍ، والصلاة عليك على ألسنتنا جارية، والشوق إلى لقائك في جنات النعيم رجاءٌ نسأل الله أن يحققه لنا برحمته.

اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

خاطبتُ نفسي… فكان حديثًا بين قلبي وربّي

  الإعلامي/ خضران الزهراني عاشق القلم 🖊 خاطبتُ نفسي طويلًا، وأطلتُ الصمت، وكأنني أبحث في أعماقي عن كلماتٍ تُطمئن قلبي، وتُعيد إلى روحي سكينتها، فلم أجد أعظم من تقوى الله، ولا أجمل من الصبر، ولا أصدق من الرضا بقضاء الله وقدره، ولا أقوى من الثقة بربٍّ إذا أراد شيئًا هيّأ له الأسباب، وفتح له الأبواب، وغيّر الأحوال في لحظةٍ لا يتوقعها أحد. قلتُ لنفسي: يا نفس،…

التربية الناجحة تبدأ بالقدوة والرفق

  بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حيه تُعدّ التربية الصالحة من أعظم المسؤوليات التي يتحملها الآباء والأمهات، فهي ليست مجرد توجيهات وأوامر ونواهٍ، وليست مقتصرة على توفير الطعام واللباس والتعليم، بل هي رسالة عظيمة تهدف إلى بناء الإنسان إيمانياً وأخلاقياً ونفسياً وسلوكياً، وإعداده ليكون فرداً صالحاً في أسرته ومجتمعه وأمته.   وإذا كانت الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الأبناء مبادئ الحياة وقيمها، فإن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

“جمعية صعوبات التعلّم “تشارك رواد الكشافة السعودية في أمسية «وعي يطمئن»

“جمعية صعوبات التعلّم “تشارك رواد الكشافة السعودية في أمسية «وعي يطمئن»

بموافقة رسمية من المركز الوطني تأسيس “جمعية غيث الشبابية” بجازان  

بموافقة رسمية من المركز الوطني تأسيس “جمعية غيث الشبابية” بجازان  

مكة المكرمة على موعد مع حدث رياضي وطني مميز احتفاءً باليوم الوطني السعودي وإنجازات الأخضر

مكة المكرمة على موعد مع حدث رياضي وطني مميز احتفاءً باليوم الوطني السعودي وإنجازات الأخضر

احذروا لصوص الأحلام ومحتالي الملايين… الوعي حصنٌ والأمانة مسؤولية وطنية

احذروا لصوص الأحلام ومحتالي الملايين… الوعي حصنٌ والأمانة مسؤولية وطنية

وُلِدَ في مكة مكرَّمًا، وهاجر إلى المدينة فنوَّرها، وسكن القلوب فطهَّرها ﷺ 

وُلِدَ في مكة مكرَّمًا، وهاجر إلى المدينة فنوَّرها، وسكن القلوب فطهَّرها ﷺ 

خاطبتُ نفسي… فكان حديثًا بين قلبي وربّي

خاطبتُ نفسي… فكان حديثًا بين قلبي وربّي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode