التشويه للموروث الجيزاني: عبث الدخلاء وتغيير معالم الرجولة

 

أحمد علي بكري

إن التراث الجيزاني ليس مجرد رقصات شعبية تُؤدى، أو ملابس تُرتدى، بل هو تجسيد حي لرجولةٍ متجذّرة، وهويةٍ تُروى عبر الأجيال. إنه مزيج من الأصالة والعزة، صقلته المواقف، وأعطته ميادين الحرب معناه، حيث كانت الرقصات الشعبية — كـ”العرضة” و”الزيفة” — تُمارس لا لمجرد الترفيه، بل كطقوس معنوية تُلهب الحماسة وتُشحذ الهمم قبيل المواقف العظيمة.

لكن، وبكل أسف، نجد اليوم من يسعى — بجهل أو مغالطة أو ادعاء — إلى تمييع هذه الصورة الأصيلة، وإدخال مفاهيم دخيلة على هذا التراث العريق. لقد رأينا رقصات مستوردة من بيئات لا تمت للمنطقة بصلة، تُلبس لبوس “التراث الجيزاني”، وتُقدم بلباسٍ لا يحمل من الرجولة إلا الاسم، بل ويخلّ بأبسط قيم الشهامة والفروسية التي كانت تُمثلها هذه العروض الحربية قديماً.

الأدهى من ذلك أن البعض — وهم ليسوا من أبناء المنطقة — يتصدرون المشهد ويزعمون تمثيل هذا الإرث، مدّعين أن ما يقدمونه هو من صميم “الموروث الجيزاني”، في الوقت الذي يُقصى فيه أهل الميدان الحقيقيون، أصحاب الذاكرة الحية والفهم العميق لهذا التراث.

هذا التلويث المتعمد أو المغرور — مدفوعًا بحب الظهور أو تقليد الآخرين — لا يخدم الهوية الجيزانية، بل يُضعفها ويشوّه صورتها في الوعي الجمعي. والموروث، إذا لم يُصن ويحفظ بهويته الأصيلة، يتحول إلى مسخٍ هزيل، تتقاذفه الأهواء وتعبث به الأيدي غير الأمينة.

إننا اليوم أمام مسؤولية جماعية، تبدأ من أبناء المنطقة أولاً، ثم الجهات الثقافية والإعلامية، للحفاظ على النقاء الفني والتاريخي للرقصات الشعبية الجيزانية، وإبرازها كما كانت: رمزًا للقوة، وشاهداً على تاريخ مشرف من الرجولة والكرامة.

يقول الراس لا صاحوا رجاجيل الحرب

نسمع صدى الطبل ونمشي على الموت

 

و اكملت عليها من كلماتي:

 

نقابل العِز والهيبة على حد الدرب

ما نرخص المجد لو خان الزمن صوت

 

لنا المواقف كما السيف إن لمع ضرب

حاضر على العز ما نرضى به سكوت

 

من جيل لجيل ما غابت سنين الذهب

نبني على الطيب ودايم على ثبوت

 

ما نلبس الزيف لو جا في قلوبه طرب

تراثنا دين، ما هو لعبة بيد هلفوت

 

الرقصة اللي تهز الميدان وقت الكرب

ما هي تمايل، ولا فنٍّ بلا شرع مثبوت

صدى نيوز إس 5

Related Posts

بندر جازان.. الميناء التاريخي الساحر الذي صهر لغات الشرق في لساننا الدارج

بقلم: أحمد علي بكري لم تكن سواحل جنوب الجزيرة العربية يوماً مجرد امتدادٍ رملي يلامس البحر، ولا مجرد محطات تتوقف عندها السفن لتفريغ البضائع وتحميل المؤن، بل كانت عبر قرون طويلة شرايين نابضة بالحياة، وممرات كبرى عبرت من خلالها الحضارات واللغات والعادات والأساطير. وفي قلب هذا الامتداد البحري العريق، برز “بندر جازان” بوصفه واحداً من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، ليس فقط لدوره التجاري،…

اللجوء

  بقلم / دكتورة لبني يونس اللجوء في جوهره عقد أخلاقي غير مكتوب بين الضيف والمضيف ، فعندما تفتح دولة أبوابها، وتوفر ملاذاً آمناً وخدمات إنسانية، فإنها تتوقع في المقابل التزاماً بقوانينها واحتراماً لسلامة مواطنيها. وارضها ومواردها ، لا أن يتحول هذا الملاذ إلى ساحة للإعتداء والترويع هو ليس فقط خيانة لهذا العقد، بل هو إنكار لأدنى درجات “رد الجميل”. الإنخراط في المجتمع والعيش بسلام هو…

لقد فاتك ذلك

صحيفة صدى نيوز إس تتجول في متحف غار ثور وتزور سوق القوافل

صحيفة صدى نيوز إس تتجول في متحف غار ثور وتزور سوق القوافل

ضمن برنامج الشريك الأدبي : البوق يستعرض عن حياة النمر العربي وعلاقته بالموروث الأدبي في جمعية أدبي الطائف 

ضمن برنامج الشريك الأدبي :  البوق يستعرض عن حياة النمر العربي وعلاقته بالموروث الأدبي في جمعية أدبي الطائف 

الشيخ الدكتور حسين آل الشيخ يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد النبوي

الشيخ الدكتور حسين آل الشيخ يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد النبوي

الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد الحرام

الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد الحرام

بندر جازان.. الميناء التاريخي الساحر الذي صهر لغات الشرق في لساننا الدارج

بندر جازان.. الميناء التاريخي الساحر الذي صهر لغات الشرق في لساننا الدارج

لبنان.. تصاعد الاعتداءات الصهيونية على جنوبي البلاد

لبنان.. تصاعد الاعتداءات الصهيونية على جنوبي البلاد

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode