بسمة الأمير – جازان
ضمن سلسلة لقاءاتنا الثقافية والإعلامية، والتي بدأت بحوار افتراضي جميل عن قرية جازان التراثية والتراث والتنمية في جازان، يسعدني اليوم أن نستمر في هذه السلسلة بلقاء جديد أكثر عمقًا وتفاعلًا.
حمد دقدقي هو كاتب ومحرر صحفي سعودي من منطقة جازان، يُعرف بنشاطه الثقافي والتراثي القوي. يشغل منصب المشرف العام على قرية جازان التراثية. عضو فخري في جمعية نجوم السياحة .خطاط وكاتب مقالات أدبية وثقافية.
س : ما الذي يجعل قرية جازان التراثية ليست مجرد مكان، بل “شاهد حي” على حياة الأجداد كما وصفتها في مقالاتك؟
ج:قرية جازان التراثية ليست جدرانًا من طين ولا أبوابًا من خشبٍ عتيق، بل ذاكرة تمشي على قدمين. هي المكان الذي ما زالت فيه رائحة القهوة القديمة عالقة في الهواء، وصوت الجدات يهمس في الزوايا. ما يجعلها شاهدًا حيًا أنها لم تُجمَّد في صورة، بل ظلّت نابضة بالحكايات، تنقل للزائر كيف كان الإنسان الجازاني يعيش، يفرح، يعمل، ويصنع علاقته بالأرض والبحر والجبل. في كل ركنٍ منها حكاية، وفي كل حجر أثر قلبٍ مرّ من هنا وترك روحه أمانة للتاريخ.
⸻
س: في مقالاتك الأخيرة، وصفت مشاريع جازان مثل مطار جازان الدولي بأنه “حلم يتشكل” و”رؤية تمشي نحو الغد”. كيف ترى التوازن بين الحفاظ على التراث والانفتاح على التنمية الحديثة في المنطقة؟
ج:جازان اليوم تعيش معادلة جميلة: يدٌ تمسك بجذور الماضي، وأخرى تشير بثقة إلى المستقبل. حين أصف مطار جازان الدولي بأنه حلم يتشكّل، فأنا أراه بوابة لا تلغي الهوية بل تحملها إلى العالم. التنمية الحديثة في جازان لم تأتِ لتكسر الذاكرة، بل لتمنحها أفقًا أوسع. التراث هنا ليس عبئًا على التنمية، بل روحها الخفية؛ هو الذي يمنح المشاريع الحديثة معناها، ويجعلها امتدادًا طبيعيًا لحكاية بدأت منذ مئات السنين وتمضي اليوم بخطى واثقة نحو الغد.
⸻
س: أنت عضو فخري في “نجوم السياحة”، وتكتب بأسلوب شعري يجعل القارئ يرى الجبال “تتنفس” والأرض “تفتح قلبها للدهشة”. ما الذي يلهمك شخصيًا لتكتب بهذه الروح عن جازان وفيفاء وأبو عريش؟
ج:ما يلهمني هو هذا الصدق الفطري الذي تملكه جازان. في فيفاء، الجبال لا تبدو صامتة؛ تشعر أنها تتنفس مع الضباب، وتبتسم حين تلامسها الشمس. في أبو عريش، الأرض ليست مجرد مساحة، بل صدر مفتوح للحياة. كوني عضوًا فخريًا في “نجوم السياحة” جعلني أرى المكان بعين العاشق والمسؤول معًا؛ أكتب لأنني أشعر أن هذه الأرض تستحق لغة تشبه جمالها، لغة تليق بكرمها، وتُشبه بساطة أهلها وعمقهم.
⸻
س:أخيرًا، كيف ترى دور الإعلاميات والمثقفين مثلك في تعزيز السياحة الثقافية بجازان، خاصة مع مواسم مثل “شتاء جازان”؟
ج:الإعلاميون والإعلاميات والمثقفون اليوم هم الجسر بين المكان والعالم. دورنا لم يعد نقل الخبر فقط، بل رواية القصة بروحها الحقيقية. في مواسم مثل شتاء جازان، نحن مطالبون بأن نقدّم جازان كما هي: ثقافة حيّة، وتنوع إنساني، وتجربة لا تُشبه غيرها. حين يكتب الإعلامي بصدق، ويصوّر المثقف المكان بعين القلب قبل العدسة، تتحول السياحة الثقافية من نشاط موسمي إلى علاقة طويلة الأمد بين الزائر وجازان… علاقة تبدأ بالدهشة، وتنتهي بالحنين .
وفي الختام
أشكر الأستاذة بسمة على هذا الاختيار الذي أعتز به، فقد كان لقاءً دافئًا يشبه جازان حين تفتح قلبها للضوء. سعدت بهذا الحوار في أيامٍ نعيش فيها بهجةً صادقة، حيث يتوشّح المكان بالفرح، وتزهر التفاصيل مع مهرجان جازان 2026م، ذلك العرس الثقافي الذي لم يُحاصر الجمال في نقطة واحدة، بل وزّعه بمحبة على جغرافيا المنطقة كلها.
من الشارع الثقافي في الواجهة البحرية الشمالية لمدينة جيزان، حيث تلتقي الحكاية بالموج، إلى مدينة جازان سيتي، وصولًا إلى جيدانة على شاطئ بيش، كان المشهد أكبر من فعالية… كان حالة. حالة فرحٍ جماعي، ومشهدًا يؤكد أن جازان لا تحتفل فقط، بل تحسن الاحتفاء بنفسها، بتاريخها، وبإنسانها.
في هذه الأيام، تشبه جازان قصيدة مفتوحة على البحر، كل سطرٍ فيها مكان، وكل مكان حكاية، وكل حكاية تقول بثقة: هنا الفرح له عنوان، وهنا الجمال يعيش بين الناس لا على الهامش






