مقالات

حرب الشائعات… حين تصبح المنصات ساحة صراع على الشرعية

بقلم: أحمد علي بكري

في كل مرحلة من مراحل التحولات السياسية في الشرق الأوسط، تظهر معركة موازية لا تقل شراسة عن المعارك الدبلوماسية والعسكرية، إنها معركة الرواية. فاليوم لم تعد الحروب تدار فقط في غرف القرار أو على حدود الدول، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي حيث تتحول المنصات إلى ميادين مواجهة تُستخدم فيها الأخبار المضللة والشائعات كسلاح سياسي.

ومع كل تقارب استراتيجي أو تحالف جديد بين دول مؤثرة في العالم الإسلامي، تتصاعد موجات من الأخبار غير الموثقة التي تحاول التشكيك في هذا التقارب أو تصويره على أنه هش أو قابل للانهيار. ومن بين تلك الروايات التي انتشرت مؤخرًا حديث البعض عن انسحاب باكستان من اتفاقها مع المملكة العربية السعودية، وهي رواية لم يصدر بشأنها أي إعلان رسمي يؤكدها، لكنها انتشرت بسرعة لافتة على منصات التواصل.

هذه الظاهرة ليست جديدة، فالحروب الإعلامية أصبحت جزءًا أصيلًا من الصراعات الجيوسياسية المعاصرة. فالشائعة اليوم قد تُطلق من حساب مجهول، ثم تتلقفها حسابات أخرى، قبل أن تتحول إلى موجة تضليل يظن بعض الناس أنها حقيقة. وفي كثير من الأحيان يكون الهدف بسيطًا: التشويش على واقع سياسي لا يروق لبعض الأطراف.

غير أن من يتأمل المشهد الأوسع يدرك أن مكانة الدول لا تُقاس بالشائعات، ولا تُحددها الحملات الرقمية. فالمملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة في المعادلة الإقليمية، بل تمثل مركزًا روحيًا وسياسيًا للعالم الإسلامي بحكم احتضانها للحرمين الشريفين وكونها قبلة المسلمين التي تتجه إليها قلوب الملايين في صلاتهم كل يوم.

ومن هنا تبدو المفارقة واضحة؛ فبينما تقوم شرعية بعض الخطابات السياسية على صناعة روايات إعلامية أو محاولة فرض صورة معينة عبر الضجيج، تبقى الشرعية الحقيقية مرتبطة بالمكانة التاريخية والدينية والدور الفعلي في محيطها. وكأن الرسالة التي يغفلها كثيرون هي أن من يملك عمقًا تاريخيًا وروحيًا لا يحتاج إلى صناعة شرعية بديلة عبر الضجيج الإعلامي.

ولهذا قال بعض المراقبين في وصف هذه المفارقة إن البعض ينسى أن السعودية هي قبلة المسلمين، بينما يحاول آخرون بناء شرعية إعلامية مصطنعة لأنفسهم، حتى بدت تلك المنصات وكأنها قبلة للضجيج والفوضى الرقمية، وشتان بين الثرى والثريا.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد جدل عابر في وسائل التواصل، بل انعكاس لتحولات أعمق في ميزان القوى الإقليمي. فكلما تعززت الشراكات الاستراتيجية وازدادت مكانة بعض الدول تأثيرًا، ارتفعت في المقابل وتيرة الحملات الإعلامية المضادة. إنها معادلة قديمة في السياسة: عندما تعجز بعض الأطراف عن تغيير الواقع، تحاول تغيير الرواية.

غير أن الزمن غالبًا ما يكشف الفرق بين الضجيج والحقيقة. فالتاريخ لا يكتب بالتغريدات، ولا تحدده العناوين العاجلة، بل تصنعه الوقائع الراسخة على الأرض. وفي نهاية المطاف، يبقى الفرق واضحًا بين من يستند إلى عمق حضاري ومكانة تاريخية، وبين من يحاول صناعة صورة بديلة عبر صخب الإعلام… وشتان بين الثرى والثريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى