الغيرة والحسد… نارٌ أشعلت أول مأساة على الأرض

بقلم أ. غميص الظهيري:

منذ أن وطئت أقدام الإنسان هذه الأرض، كانت المشاعر جزءًا من تكوينه؛ منها ما يرفع صاحبه إلى قمم الفضائل، ومنها ما يهوي به إلى دركات الرذائل، ومن أخطر تلك المشاعر: الغيرة إذا تجاوزت حدودها، والحسد إذا استقر في القلب واستوطنه.

ولعل أول قصة دموية عرفتها البشرية كانت بسبب هذا الداء الخفي. فقد قصّ الله علينا خبر ابني آدم عليه السلام، حين تقبّل الله قربان أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فامتلأ قلب الحاسد غيظًا وحقدًا، ولم يبحث عن سبب تقصيره أو يصلح من نفسه، بل اتجه إلى أخيه البريء مهددًا: (لَأَقْتُلَنَّكَ) . وهكذا تحوّل الحسد من شعور داخلي إلى جريمة هزّت تاريخ الإنسانية، فكانت أول جريمة قتل على وجه الأرض.

إن الحسد ليس مجرد تمني زوال نعمة الآخرين، بل هو اعتراض خفي على قسمة الله وأقداره. فالحاسد يتألم لرؤية الخير عند غيره أكثر مما يفرح بما يملكه هو، فيعيش أسير المقارنات، مطاردًا بالهموم، محرومًا من راحة القلب وطمأنينة النفس.

أما الغيرة، فهي شعور فطري قد يكون محمودًا إذا كان في موضعه الصحيح، كغيرة الإنسان على دينه وأهله وكرامته. لكنها تتحول إلى آفة عندما تمتزج بالشك وسوء الظن وحب التملك، فتفسد العلاقات وتزرع العداوة والبغضاء بين الناس.

ومن أخطر آثار الحسد والغيرة المذمومة أنها تقتل السكينة قبل أن تؤذي الآخرين. فالحاسد يحترق بنار مشاعره كلما رأى نجاحًا أو تفوقًا أو نعمة عند غيره. وقديمًا قيل: “ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد”، لأنه يعذب نفسه بيده قبل أن يصل أذاه إلى غيره.

كما أن الحسد يمزق روابط المجتمع، فيحوّل الصديق إلى خصم، والقريب إلى منافس، ويزرع الأحقاد في القلوب. وكم من علاقات جميلة انتهت، وكم من أسر تفككت، وكم من فرص ضاعت بسبب نظرة حاسدة أو غيرة عمياء لم تجد من يضبطها بالحكمة والإيمان.

وقد حذر الإسلام من هذا الخلق أشد التحذير، فقال النبي ﷺ: “إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.” فالحسد لا يضر الدنيا فحسب، بل يمتد أثره إلى الآخرة، حين تذوب الحسنات تحت وطأة الحقد والاعتراض وسوء النية.

والعلاج يبدأ من القلب؛ بالرضا بقضاء الله، والإيمان بأن الأرزاق والمواهب والنجاحات مقسومة بحكمة إلهية لا تخطئ. فبدلًا من أن ينشغل الإنسان بما في أيدي الناس، عليه أن ينظر إلى ما أنعم الله به عليه، وأن يدعو للآخرين بالبركة، فالدعاء بالخير يطرد الحسد، والشكر يجلب المزيد من النعم.

وفي الختام، يبقى الحسد والغيرة المذمومة من أقدم أمراض القلوب وأشدها خطرًا. فقد بدأت بهما أول مأساة في تاريخ البشر، وما زالت آثارهما تتكرر بأشكال مختلفة إلى يومنا هذا. فطوبى لمن طهّر قلبه من الأحقاد، وفرح لنعمة الله على غيره كما يفرح بها لنفسه، وعلم أن القلوب النقية هي أكثر القلوب راحة، وأن السعادة الحقيقية لا تُبنى على زوال نعم الآخرين، بل على الرضا بما قسمه الله وحسن الظن به.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

زوجة من ذهب.. الحكمة في وقت الخلاف

محمد فريح الحارثي  لواء متقاعد  في كثير من البيوت، تدور قصص خلافات صامتة لا يعلم عنها أحد، لكن بعضها هي التي تحدد هل يستمر البيت متماسكاً وهادئاً، أم يتهدم ويتشتت الأبناء. من أحد تلك القصص أنه كان هناك رجل صعب الطباع والعشرة، سريع الغضب والتسلط، وكانت زوجته تتحمله وتصبر عليه من أجل العِشرة ومن أجل أبنائهما. كانت امرأة حكيمة تحب بيتها وتحرص على استقراره. وفي يوم…

صفعة السنين..

    الكاتبة : فاطمة روزي   لم يتريث الزمن معي ويرفق بحالي .. بل جعلني أنزوي في ذلك الركن القصي مجددًا ليدثرني بحصن الهدوء المطبق وقلاع السكون .. ورفات قلبِ يلفظ أنفاسه الأخيرة .. وبقايا وقت بدأ يختنق ثم يحتضر ..   لينسكب “الخذلان” بين أقداح أقداري .. ثم زرع بذرة “اليأس” في رحم الأمان .. وأطفأ الحبور من عرش روحي الهائمة .. فأصبح النحيب…

One thought on “الغيرة والحسد… نارٌ أشعلت أول مأساة على الأرض”

  1. المستشار والاعلامي غميص الظهيري سلط الضوء على آفة فتاكة اساسها النفس الامارة بالسوء ووسواس الشيطان وهي الحسد الذي فرق بين الاخوة وسبب قطع الارحام وكثير من الخلافات العائلية فشكرا للكاتب عى روعة الموصوع وسلاسة سردة

  2. شكراً جزيلاً للكاتب غميص الظهيري على هذا المقال الرائع والهادف الذي سلّط الضوء على ظاهرة الحسد والغيرة وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع. لقد تميز المقال بأسلوبه الواضح ورسائله القيمة التي تدعو إلى التحلي بالأخلاق الحميدة والرضا بما قسم الله، مما يجعله مادة توعوية مهمة تستحق القراءة والنشر.
    كل التقدير لجهودكم الحثيثة في استقطاب الكفاءات المميزة أمثال الأستاذ/ غميص الظهيري

  3. تحية طيبة للكاتب الرائع الاستاذ غميص الظهيري على هذا المقال العميق الذي تناول فيه داء الغيرة والحسد بعين ثاقبة وقلم رصين, مستحضرا اول مأساة في تاريخ البشرية دليلا ساطعا على خطورة هذه الامراض القلبية. نعم, الحاسد يحترق بنيرانه قبل ان يصل اذاه للاخرين, والعلاج يكمن في الرضا والشكر.
    بارك الله في قلمك وزادك توفيقا.

  4. جزاك الله خير وكفانا الله الحسد واهل وجعل قلوبنا صافية لا تحمل الحقد والغش والحسد على عباد الله

Comments are closed.

لقد فاتك ذلك

مجلس الحكواتي غنوة مصطفى… حين يقف القانون أمام القصيدة

مجلس الحكواتي غنوة مصطفى… حين يقف القانون أمام القصيدة

علاء مرسي يدشّن دورة تدريبية بمركز ( ينير الكون )

علاء مرسي يدشّن دورة تدريبية بمركز ( ينير الكون )

الاستاذ محمد بن علي بن درع يحصل على الزمالة السعودية البريطانية في قيادة المنظمات الشبابية

الاستاذ محمد بن علي بن درع يحصل على الزمالة السعودية البريطانية في قيادة المنظمات الشبابية

زيارة جمعية رفيق النجاح لجمعية عطاء المكية

زيارة جمعية رفيق النجاح لجمعية عطاء المكية

متوسطة أوس بن حبيب بتعليم عسير تشكر صحيفة “صدى نيوز” تقديراً لجهودها الإعلامية المميزة

متوسطة أوس بن حبيب بتعليم عسير تشكر صحيفة “صدى نيوز” تقديراً لجهودها الإعلامية المميزة

رئاسة الشؤون الدينية تعزّز التجربة الدينية للنساء من فئة الصم بحلقة قرآنية متخصصة في المسجد الحرام

رئاسة الشؤون الدينية تعزّز التجربة الدينية للنساء من فئة الصم بحلقة قرآنية متخصصة في المسجد الحرام

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode