✍️:الأعلامي/ خضران الزهراني
عجبًا لبني آدم،
يظنون أنهم ينظرون إلى العالم بعيون مفتوحة، بينما هم في الحقيقة لا ينظرون إلا من خلال ذواتهم. فالرؤية ليست فعلًا بصريًا فحسب، بل عملية نفسية وفكرية معقّدة، تتداخل فيها التجربة، والذاكرة، والخوف، والرغبة، والهوى.
الإنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما هو هو.
فالعقل لا يستقبل الواقع خامًا، وإنما يعيد تشكيله وفق مخزونه الداخلي. لذلك، لا يكون الحكم على الآخرين حكمًا عليهم بقدر ما يكون إفصاحًا صامتًا عن صاحب الحكم نفسه.
فالخير في عين الطيب بديهي، لأنه مألوف في داخله، والشر في عين السيئ حقيقة راسخة، لأنه يعيشها قبل أن يراها. وهكذا تتحول النفوس إلى عدسات، بعضها صافٍ يكشف المعنى، وبعضها معتم يحجب الحقيقة ويستبدلها بالظن.
إن أخطر ما في الإنسان ليس جهله بالآخرين، بل جهله بنفسه. فمن لم يُحاكم دوافعه، جعل من الآخرين متهمين دائمين. ومن لم يفهم هشاشته الداخلية، فسّر قوة غيره تهديدًا، واختلافه عداءً، وصمته مؤامرة
وهنا يتجلى البعد الفلسفي للأمر:
الحكم فعل سلطة، والإنسان يمارس هذه السلطة ليحمي صورته عن ذاته. فحين يُدين غيره، يُبرّئ نفسه ضمنيًا، وحين يُقلّل من شأن الآخرين، يُرمّم نقصه الداخلي. لذلك، ليس كل حكم نابعًا من العقل، بل كثيرٌ منه دفاع نفسي متخفٍ بثوب المنطق.
والحقيقة أن الواقع أوسع من قدرة أي فرد على احتوائه. فكل إنسان يحمل نسخة ناقصة من العالم، يظنها كاملة، ويُقاتل لأجلها، دون أن يدرك أن اكتمال الصورة لا يتحقق إلا بتعدّد الزوايا. أما من يتشبث بزاوية واحدة، فهو لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الاطمئنان
ولو أن الإنسان امتلك شجاعة الشك في أحكامه، لا في الناس فقط، لاقترب من الحكمة. فالحكمة لا تولد من اليقين، بل من السؤال، ولا تنمو في بيئة الأحكام السريعة، بل في مساحة التريّث والتأمل
عجبًا لبني آدم…
كيف يُطالبون الآخرين بالفهم، وهم لم يفهموا أنفسهم بعد.
وكيف يبحثون عن الحقيقة خارجهم، وهي أولًا امتحان داخلي.
فالتحرر الحقيقي ليس في تغيير العالم،
بل في تنقية العدسة التي نراه بها.






