بقلم
ايمان المغربي : جدة
لم تكن المشكلة يوماً في الصمت ولا في الكلام بل في تحويلهما إلى أحكام جاهزة تستعمل خارج سياقها فالصمت الذي يمدح في موقف قد يكون عبئاً في موقف آخر والكلام الذي يدان في ظرف قد يكون ضرورة في ظرف مختلف ولهذا فإن أول أخطاء الوعي هو التعامل مع الصمت كقيمة مطلقة أو مع الكلام كعيب دائم دون نظر إلى الموقف ولا إلى أثر القرار
فالعبارات التي تقال عن الصمت بوصفه حكمة أو وقارا ًأو لغة للعظماء ليست خاطئة في أصلها لكنها تفقد معناها حين تنزع من سياقها فالصمت قد يكون حكمة حين يحفظ معنى أو كرامة وقد يكون وقاراً حين يمنع جدالا ًلا يضيف لكنه في مواقف أخرى قد يكون خوفا ًأو عجزاً أو هروبا ًأو تواطؤاً غير معلن وتأجيل لحق يجب أن يقال
وكذلك الكلام ليس نقيض الحكمة ولا دليل اندفاع دائم فقد يكون شجاعة حين يقال في وقته ويحمل مسؤوليته وقد يكون واجباً حين يصبح الصمت تفريطاً أو انسحاباً أو قبولاً صامتا بما لا يصح قبوله ولهذا لا يمكن الحكم على المواقف من خلال الصمت أو الكلام بل من خلال الوعي الذي يختار أحدهما ويفهم تبعاته
القيمة لا تكمن في الصمت بذاته ولا في الكلام بصوته بل في الفهم الذي يسبق القرار وفي القدرة على قراءة السياق ومعرفة متى يكون الصمت حماية ومتى يكون الكلام ضرورة فالصمت حين لا يحفظ معنى ولا يمنع ضرراً يصبح انسحاباً والكلام حين لا يضيف حقا ًولا يغير واقعاً يصبح عبئاً مهما بدا قوياً
ولهذا لا يصح تقديس الصمت ولا محاكمة الكلام فلكل موقف لغته ولكل مرحلة خيارها وليس النضج في أن نصمت دائماً ولا في أن نتكلم دائماً بل في أن نعرف لماذا نختار هذا دون ذاك دون تبرير ودون استعراض
فالوعي الحقيقي لا يبحث عن عبارات جاهزة يستتر خلفها بل عن ميزان دقيق يضع الصمت في موضعه والكلام في وقته ويخرج الإنسان من سجن التعميم إلى مساحة الفهم فالإنسان لا يقاس بصمته ولا بصوته بل بقدرته على الاختيار حين يفهم وحين يتحمل نتيجة ما اختار
وفي هذا الفهم يتوازن المعنى فلا يمجد الصمت ولا يدان الكلام بل يعاد كل إلى مكانه الطبيعي أداة تستخدم بوعي لا شعاراً يرفع بلا تفكير






