عراقةُ يامُ نجران.. معدنُ الإيمان ومدرسةُ كِرام

 

اللواء متقاعد محمد فريح الحارثي

تلبيةً لدعوةٍ كريمة، وفي صحبةِ نخبةٍ من أعيان ووجهاء الوطن الذين توافدوا من شتّى مناطق المملكة، حللنا ضيوفاً على الأخ الكريم ابن الكرام المهندس عبدالله بن هادي آل شهي اليامي. لم تكن رحلتي إلى نجران مجرد عبورٍ مكاني، بل كانت رحلةً في “زمن القيم”، وتجربةً اجتماعية استثنائية، برهنت لي أن الأصالة في نجران ليست تاريخاً يُقرأ، بل حياةً تُعاش ونبضاً يجري في عروق أهلها الكرام.

 

استقبالٌ يسبقه القلب

 

منذ اللحظة التي عانقت فيها قدماي أرض مطار نجران، أيقنتُ أنني أمام مدرسةٍ في الاحتفاء. لم يكن الاستقبال مجرد مراسم رسمية، بل كان فيضاً من “نبلِ الرجال” وإرثاً قبلياً عجزت موازين الحداثة عن زحزحته. فما إن استقر بنا المقام قليلاً، حتى تهافت خيرة الرجال لفتح أبواب بيوتهم، مؤكدين بلسان حالهم وفعلهم أن “سعة الصدور هي المضيف الحقيقي”، وأن مجالسهم تضيق بالرسميات وتتسع بكل الحب للضيوف.

 

مائدة الجود وسكينة الوفاء

 

بين هجير الظهيرة وسكون الليل، كنا نتنقل في “واحاتٍ من الكرم”؛ منازل تتسابق في البذل والسخاء وتتأنق في الحفاوة. ولستُ مُبالغاً إن قلت إن المشهد كان استحضاراً حياً لضيافة الأنبياء، وتجسيداً للآية الكريمة: «فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تأْكُلُونَ». ضيافةٌ لا تكتفي بملء الموائد، بل تملأ الأرواح سعادةً بدفئ المشاعر وبصدق المودة وعمق التقدير.

 

فصولٌ من مدرسة الأصالة النجرانية

 

خلال هذه الرحلة، دوّنتُ في ذاكرتي مشاهدَ لا يمحوها الزمن، ترسم ملامح الشخصية النجرانية الوفية:

 

أناقة الموروث وهيبة اللباس: لفت نظري وبشدة ذلك الحرص المهيب من الصغير والكبير على الظهور باللباس الوطني والموروث القبلي؛ حيث يرتدون أصالتهم كما يرتدون ثيابهم. إن تمسكهم بالزي الوطني والتقليدي في كل المحافل هو رسالة صامتة تقول: نحنُ أبناء هذا التاريخ، نعتز بجذورنا بقدر طموحنا نحو المستقبل.

بشاشة وطلاقة المحيا: ترحيبٌ يجسد هدي النبي ﷺ في قوله: «كلُّ معروفٍ صدقةٌ، وإنَّ من المعروفِ أن تَلْقَى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ»؛ فكانت وجوههم المستبشرة هي أول وجبات الكرم والمعروف التي قُدمت لنا.

تراتبية الأدب وتوقير الكبير: لم يكن احترام الكبير هناك مجرد شكليات، بل هو ركنٌ ركين في هويتهم، عملاً بقوله ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا». رأيتُ صغاراً يقدّمون كبارهم في إجلالٍ فطري، وكباراً يحيطون شبابهم بوقارٍ وحنو.

هيبة الكيان في تقدير الرمز: استوقفني بعمق ذلك الالتفاف المهيب حول “شيخ القبيلة”؛ فهو عندهم ليس مجرد مسمى، بل هو “عنوان الهيبة” و”بوصلة الأصالة”. أدركتُ هناك أن القبيلة التي ترفع شأن رمزها، إنما ترفع شأن تاريخها وأفرادها أمام الملأ. فمن أدبهم الرفيع أنهم لا يزاحمون الضيوف في صدارة، بل يشرفون رمزهم بتقديم الضيف وتوقيره، في فلسفةٍ اجتماعية تزاوج بين عزة النفس وتواضع الفرسان.

شرف خدمة الضيف: من أجمل ما تراه العين، أن تجد أبناء القبيلة يتسابقون لخدمة ضيفهم بأنفسهم، يصبون القهوة ويقدمون الطيب والزاد، معتبرين هذه الخدمة “وساماً” لا يتركونه لغيرهم، مهما علت رتبهم ومناصبهم.

الولاء.. من الرمز إلى الوطن

وهنا وقفتُ متأملاً: إذا كان هذا هو فيض تقديرهم وولائهم لشيخهم ورمز قبيلتهم، فكيف هو حال ولائهم الصادق لولاة أمرنا؟ لقد قرأت الإجابة في أعينهم، وفي نبرات الاعتزاز وصدق الدعاء التي تلهج بها ألسنتهم، وشاهدتها يقيناً في تزيين مجالسهم بصور القيادة -أعزها الله- التي تتصدر صدور المجالس تماماً كما تسكن السويداء من قلوبهم.

إنه ولاءٌ يتنفسه الصغير قبل الكبير، يُترجم مقولة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز — حفظه الله — حين قال: «هدفي الأول أن تكون بلادنا نموذجاً ناجحاً ورائداً في العالم على كافة الأصعدة، وسأعمل معكم على تحقيق ذلك»، ومقولته الأبوية الخالدة: «أنا منكم.. قلبي يفتخر بكم، وعقلي يعتز بما حققتموه». هذا التلاحم هو الذي يجعل من كل مواطن في نجران حارساً لهذا الوطن، ووفياً لقيادته بصدق لا تشوبه شائبة.

الختام.. عطرٌ لا يغادرنا

عدتُ من نجران وفي قلبي يقينٌ أن هذه الأرض هي أحد الحصون المنيعة لقيمنا العربية والسعودية. شكراً لقبائل يام العريقة، وشكراً للمهندس عبدالله بن هادي آل شهي على صور الولاء الوطني وذلك الكرم الحاتمي، وستبقى هذه الزيارة نموذجاً حياً يُدرّس في الوفاء، والولاء، وعلوّ المَقام

سلمي

Related Posts

“وجوهٌ للناس.. وقلوبٌ للمعروف”   من هم الآمنون يوم القيامة في زمن “نفسي نفسي”؟

  صحيفة صدى نيوز s يوسف بن سالم / الرياض في زمنٍ طغت فيه لغة “المصلحة” و “الكل يالله نفسي”، نحتاج أن نقرأ هذا الأثر العظيم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: > « إن الله عز وجل خلق خلقاً من خلقه؛ لخلقه، فجعلهم للناس وجوهاً، وللمعروف أهلاً، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون يوم القيامة». > [ثواب قضاء حوائج الإخوان…

دعاءٌ يهزّ الكراسي… وتوجيهٌ يوقظ الضمائر — بصمة تركي بن طلال بن عبد العزيز التي لا تُنسى

بقلم /علي أبو مالح في زمنٍ قد تُقاس فيه القرارات بسرعة التنفيذ، جاء هذا التوجيه ليُقاس بعمق الأثر… حين وجّه سمو الأمير أمير منطقة عسير بوضع حديثٍ نبويٍّ في مطار المنطقة، وعلى الشاشات الإلكترونية، وأمام أعين المسؤولين… لم يكن ذلك إجراءً شكليًا، بل رسالةً تُخاطب القلب قبل النظام، وتستنهض الضمير قبل الصلاحيات. لم يكن حديثًا يُعلّق… بل ميزانًا يُقام. قال النبي محمد بن عبد الله ﷺ:…

لقد فاتك ذلك

تتويج الجامعات الفائزة في الرياضات الإلكترونية

تتويج الجامعات الفائزة في الرياضات الإلكترونية

أمين جدة يسلّم 10 سيارات لأيتام ضمن مشروع “تاكسي الأيتام”

أمين جدة يسلّم 10 سيارات لأيتام ضمن مشروع “تاكسي الأيتام”

اعتماد أكاديمي لبرنامجي الأزياء والفنون في جامعة جدة

اعتماد أكاديمي لبرنامجي الأزياء والفنون في جامعة جدة

«تراثنا.. صنعنا» يسلّط الضوء على إبداع الحرفيات السعوديات ويعيد تقديم الهوية الثقافية بروح معاصرة

«تراثنا.. صنعنا» يسلّط الضوء على إبداع الحرفيات السعوديات ويعيد تقديم الهوية الثقافية بروح معاصرة

سفير تايوان يُشيد بتطور رياضة قفز الحواجز في المملكة

سفير تايوان يُشيد بتطور رياضة قفز الحواجز في المملكة

“وجوهٌ للناس.. وقلوبٌ للمعروف”   من هم الآمنون يوم القيامة في زمن “نفسي نفسي”؟

“وجوهٌ للناس.. وقلوبٌ للمعروف”    من هم الآمنون يوم القيامة في زمن “نفسي نفسي”؟

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode