الرئيسية محلية حبٌّ يسكن الذاكرة

حبٌّ يسكن الذاكرة

20
0

 

 

الكاتبه مشاعل عبد العزيز . العوض الجميل

مكه المكرمه. مجلة صدى نيوز

 

في فجر يومٍ جميل، استيقظ شاب اسمه عبد العزيز، وغادر منزله باكرًا كعادته، يسعى خلف رزقه. كان يعمل بجد، يحفر في الصخر، ويتحمّل مشقة العمل ليعول عائلته التي طالما ضحّى لأجلها. هو الابن الأكبر، والمسؤول عنهم، ورغم وجود والده وأخويه، إلا أنه كان يجد سعادته الحقيقية في أن يرى ابتسامة أمه وأخواته، وأن يكون هو السبب فيها.

كان يفرح حين يلمح الفخر في عيني والده، لذلك كان يركض خلف رزقه بلا تعب ولا كلل، وكأن الراحة مؤجلة إلى إشعار آخر.

 

مرّت الأيام، وفي قهوة المساء جلس مع والديه يتبادلون أطراف الحديث.

قال والده بنبرة يغلبها الحنان:

— يا ولدي، لازم تبدأ تفكر في نفسك، تجمع وتتزوج. نفسي أشوف أحفادي قبل ما أموت وأطمن عليك.

قالت الأم وهي تبتسم:

— لو تبغاني أدور لك على عروسة، من عيوني يا وليدي.

 

ابتسم عبد العزيز بهدوء، وفي صوته لطف ممزوج بالهروب:

— كل شيء في وقته حلو… الآن مو وقته. ادعوا لي ربي يرزقني أكثر علشان أسعدكم، وهذا أهم شيء عندي.

 

استأذن وذهب إلى غرفته، لكنه قبل أن يغلق الباب سمع اسمًا حاول أن يدفنه منذ سنوات…

مريم.

 

دخلت عليه أخته بعد قليل، رأت في عينيه حزنًا قديمًا لم يشفَ.

قالت بلطف:

— لسه تحبها؟

حاول أن ينكر، أن يبتسم، أن يتهرّب… لكنه ما قدر.

تنهد وقال بصوت خافت:

— ما نسيتها… حاولت بكل الطرق. تعبت وأنا أدور عليها، وما أدري وين راحت. أحيانًا أقول يمكن تزوجت… يمكن نسيتني… ويمكن حتى ماتت. وأنا… أنا أنتظر شخص ما وعدني إنه يرجع.

 

اقتربت منه أخته واحتضنته، وقالت:

— لو ربي كاتبها لك، راح ترجع، ولو ما كانت لك، راح يعوضك بشي أحسن.

 

بعد أيام، جاءته فرصة دورة تدريبية في الرياض لمدة شهر. أخبره مديره أنها ستفتح له باب الترقية. وافق، وسافر بعد أن اطمأن على أهله.

 

عند وصوله، كانت هناك سكرتيرة تحمل لوحة باسمه. اقترب منها وقال:

— أنا عبد العزيز.

ابتسمت بخجل واضح، وقالت:

— الحمد لله على السلامة أستاذ… كيف كانت الرحلة؟

كان بطبعه قليل الحديث مع النساء، فارتبك قليلًا واكتفى بابتسامة خفيفة وإجابة مختصرة.

 

رافَقته إلى الفندق، وأعطته المفتاح، وأخبرته عن موعد الدورة. كانت تنظر إليه باحترام، ولاحظت هدوءه وأدبه.

في صباح اليوم التالي، نزل بلباسه المرتّب، ثوب شتوي أسود وشماغ أبيض، طويل القامة عريض الكتفين، وهيبته تسبق خطاه. لمحته السكرتيرة، وطال نظرها عليه دون أن تشعر.

تنحنح بخفة، فانتبهت واحمرّ وجهها خجلًا، وهو أيضًا أشاح بنظره في حياء.

 

قالت محاولة كسر الموقف:

— بروح أجيب قهوة… تبغى معايا؟

قال:

— أنا أشرب شاهي، شكرًا.

ابتسمت، وبعد قليل عادت تحمل كوب قهوة لها، وكوب شاي له.

قال باستغراب لطيف:

— تعبتي نفسك.

قالت بخجل:

— عادي…

 

ثم عرّفت نفسها:

— معاك مريم.

تجمّد مكانه للحظة… الاسم أعاد الماضي كله دفعة واحدة.

 

مرت الأيام، وأصبحت مريم مسؤولة عن تنسيقه ومتابعته في الدورة. كانت تلاحظ هدوءه، واحترامه، وقلة كلامه، فزاد اهتمامها به دون أن تشعر. كانت تحرص على راحته، تسأله إن كان يحتاج شيئًا، وتنتبه لتفاصيله الصغيرة… حتى عرفت أنه يفضّل الشاي، فصارت تحضره له دون أن يطلب.

 

في إحدى الأمسيات، أقيم عشاء عمل للموظفين. حضر عبد العزيز، ولاحظ أن مريم ليست كعادتها؛ وجهها شاحب، وكلامها قليل. اقترب منها لأول مرة وسأل:

— فيك شيء؟ شكلك تعبانة.

ابتسمت بتعب وقالت:

— شوية تعب… بس ما حبيت أعتذر.

 

استأذنت وخرجت، لكن قلبه لم يطمئن. تبعها، وحين وصلت إلى سيارتها داخت فجأة وسقطت. ركض نحوها، حملها، وأوصلها إلى المستشفى. هناك، حين طلبوا رقم أهلها، قالت بهدوء موجع:

— ما لي أحد.

 

حزن عليها من قلبه. وبعد أن اطمأن عليها، سألها:

— ممكن أسألك سؤال؟

— تفضل.

— اسم أبوك؟

قالت:

— مريم عبد الله.

 

انكسر داخله… ليست هي.

 

خرج من عندها ودموعه تسبق خطواته. لم ينتبه للدكتورة التي اصطدم بها، فسقطت أوراقها. انحنى يعتذر ويساعدها في جمعها، وبينما يمد لها بطاقتها، وقعت عينه على الاسم:

 

مريم سعود.

 

توقّف الزمن.

هي… مريم التي ضاعت.