ا/محمد باجعفر
أسماء المرأةً المصرية التي خُلقت من معدنٍ نادر،
معدنٍ يجمع بين الحنان والقوة،
وبين الرقة والصبر، وبين الحكمة التي تهبها الحياة لمن يمضي معها في دروبٍ غير سهلة.
لم تكن أسماء مجرد اسمٍ يتكرر في البيوت المصرية،
بل كانت تجربة إنسانية كاملة؛
امرأة حملت في قلبها نورًا يكفي ليبدّد عتمة فقدٍ كبير،
وفي روحها من الثبات ما يجعل الحكاية أكبر من تفاصيلها.
وُلدت أسماء لتكون أمًا قبل كل شيء،
ورُزقت بثلاثة أبناء جعلت منهم رسالتها الكبرى في الحياة؛ أكبرهم فتى في الخامسة عشرة،
يليه صغيران في السابعة والخامسة، كانوا عالمها الواسع الذي تدور حوله أحلامها ويقينها.
وبعد أن اختطفت الأيام زوجها، وقفت شامخة تحت سماء أثقلتها الغيوم،
لكنها لم تهن ولم تضعف؛
حملت الفقد في صدرها بجرأة لا يعرفها إلا الأقوياء،
وواصلت طريقها بصمتٍ نبيل يليق بالنساء اللواتي يُنحتن من صبر الملائكة.
هذه السيرة ليست مجرد سردٍ لحياة امرأة، بل بوابة إلى روحٍ صنعت من المحن معنى جديدًا للثبات. إنها سيرة أسماء … المرأة التي أدارت معاركها بصمت، وكتبت فصول حياتها بكرامة،
وتركت أثرًا يليق بمن اختارت أن تكون نورًا لأبنائها مهما كانت الطرق مظلمة.
ففي البدايات…
حيث تتكوّن الملامح الأولى
لم تولد أسماء وفي يدها خارطة الطريق، لكنها وُلدت وفي قلبها بذرة نورٍ خُلقت لتكبر. في بيتٍ مصري يعرف بساطة الحياة وصدقها، كانت طفلةً تلتقط من حولها المعاني قبل الأشياء،
وتتعلم أن القوة ليست صوتًا مرتفعًا،
بل رقة تعرف متى تصمت ومتى تُصغي.
نشأت بين أركان بيتٍ يقدّس القيم، فكبرت وفي روحها احترامٌ للناس،
وحياءٌ يعيد للذاكرة النساء اللواتي يشبهن الحقول في خصبهن وصبرهن.
كانت طفلةً ترى العالم بصفاءٍ لا يتكرر،
وتؤمن بأن الخير وإن اختفى لحظة فإنه لا يفارق الأرض طويلًا.
و في مطالع الشباب… خطوات نحو قدرٍ مكتوب
حين كبرت أسماء،
لم تتغير روحها، بل اتسعت.
ازدانت سنوات شبابها بنضجٍ هادئ،
وملامح تحمل من الأصالة ما يسبق حديثها.
كانت تعرف أن الحياة لا تُمنح كاملة، وأن على الإنسان أن يملأ فراغاتها بالحكمة.
وفي تلك السنوات، ازداد حضورها بين الناس احترامًا؛
أدبها لم يكن مصنوعًا، بل كان طبعًا يسكنها، تُخفي به توتر الأيام، وتُظهر للعالم وجهًا مطمئنًا مهما ازدحم الداخل بالأسئلة.
مرحلة الزواج…
حين تبنى الروح بيتها الأول
لم يكن الزواج مجرد حدث في حياة أسماء، بل بداية فصلٍ كتبه القدر بمدادٍ صافٍ.
وجدت في زوجها سندًا يشبه ما تمنّت: رفيقًا يضم خطواتها، ويشاركها حلم البيت الدافئ.
وبينهما تشكّلت ملامح حياة تُشبه القصائد الهادئة؛ بيتٌ صغير لكنه غني بالطمأنينة، وضحكات تُسكب كل مساء كأنها عهدٌ بأن الخير ما زال يقيم في هذه الدنيا.
ومع السنوات،
ازدادت الألفة بينهما، فكان كل منهما للآخر وطنًا لا تُغلق أبوابه.
مرحلة الأمومة… اكتمال المعنى
جاء أبناؤها الثلاثة ليُكملوا الحكاية التي حلمت بها.
الابن الأكبر، في الخامسة عشرة اليوم، كان أول اختبار لقلبها، فكبر معه حنانها كما لو كان جزءًا منها يمتد خارج الجسد.
ثم جاء صغيراها في السابعة والخامسة، ليحوّلا أيامها إلى عالمٍ مزدحم بالضحكات والمهام والركض خلف أحلام صغيرة تنمو كل يوم.
الأمومة بالنسبة لأسماء لم تكن دورًا تؤديه، بل كانت قدرها الأجمل. جعلت من نفسها مساحات أمن ودفء، ومن حبها سياجًا يحمي أبناءها من قسوة الدنيا.
كانت تقول دائمًا:
“الأم لا تُربّي أبناءها فقط، بل تُربّي قلبها معهم كل يوم.
مرحلة الفقد… اللحظة التي تغير شكل الحياة
ثم جاء اليوم الذي لم تكن مستعدة له…
اليوم الذي اختطفته الأيام كما تُطفئ الريح شمعةً كانت تنير بيتًا كاملًا.
رحل زوجها،
وترك خلفه فراغًا لا يُقارن،
وحزنًا أثقل قلبها حتى كاد يسقط.
لكن أسماء،
رغم كل ذلك،
لم تنهَر.
وقفت أمام المحنة كما تقف الشجرة العتيقة في وجه العاصفة؛ تنحني لكن لا تنكسر، تبكي بصمت لا يسمعه أحد،
ثم تمسح دموعها بحكمةٍ تعرف أنّ عليها أن تواصل الطريق.
لأجل أبنائها،
ولأجل البيت الذي وعدت نفسها أن يبقى حيًا مهما رحل أهله.
الحياة بعد الرحيل… امرأة تُعيد ترتيب الضوء
واجهت أسماء الحياة وحدها،
لكن لم تكن وحدها من الداخل.
امتلكت قوة لا يعرفها إلا من عاش الفقد، وتعلّمت أن تُمسك بيد الأيام لا لكي تتشبث بها،
بل لكي تسير أمامها بخطوات ثابتة.
أعادت ترتيب حياتها كما تُرتّب أمٌ منزلاً بعد ليلةٍ طويلة؛
تنفض الغبار،
وتزيل ما يُثقل المكان، وتفتح النوافذ ليعبر الضوء مهما كان خافتًا.
عاشت لأجل أبنائها، ولأجل أن تظل القصة التي كتبها زوجها معها مستمرة ولو غاب صاحبها.
وفي كل ذلك، حافظت على ذاك النبل الذي يُعرّفها: ابتسامة لا تنكسر، قلبٌ يتسع رغم الكسور، وصبرٌ يليق بامرأة خُلقت لتكون سندًا ولو كانت وحدها.
…
وحين تتخذ الحياة شكلها الأخير
في نهاية الحكاية،
لا تقف أسماء عند حدود ما خسرته،
بل عند حدود ما استطاعت أن تبنيه رغم كل شيء.
علّمتها الحياة،
كما علّمت كثيرين،
أن الفقد لا يسرق الطريق كله،
بل يسرق جزءًا منه فقط؛ ويبقى على المرء أن يواصل السير بما تبقى من قوة،
وبما تبقى من نور.
وقفت في أواخر الرحلة تتأمل سنواتها، فوجدت أنّ الوجع لم يكن عدوًا بل معلّمًا، وأن الأيام التي ظنّتها ثقيلة كانت هي نفسها التي صهرت روحها لتخرج أصلب وأصفى.
أدركت أنّ الإنسان لا يُعرف بما عاشه من أفراح، بل بما تجاوزه من ألم، وبالطريقة التي جمع بها شتاته دون أن يراه أحد.
تتذكر زوجها كأنما لم يغب؛ حاضرًا في تفاصيل أبنائه، وفي القرارات الصغيرة التي تتخذها كل يوم،
وفي تلك الدعوات التي ترفعها إلى السماء في هدوء الليل.
لم تتركه خلفها،
بل حملته أمامها… دليلًا في الطريق، وظلًا لا يغيب.
واليوم،
بعد أن اجتازت أعوامًا من الصبر والعمل والمواجهة،
استطاعت أن تعيد للحياة شكلها، وأن تمنح أبناءها الأمان الذي وعدت به قلبها منذ أن وُلدوا.
كبروا معها،
وكبرت هي بهم،
حتى أصبحت قصتها مثالًا للنساء اللواتي يصنعن بقلوبهن ما تعجز الأيام عن صُنعه.
وهكذا تُسدل الستارة على سيرة امرأة لم تتفاخر بصبرها، لكنها عاشت به.
لم تتحدث عن قوتها، لكنها أثبتتها.
لم تبحث عن بطولة، لكنها أصبحت بطلةً دون أن تلتفت لذلك.
هذه ليست نهاية،
بل بداية حياة جديدة…
حياة تعرف فيها أسماء كيف تُمسك المستقبل بيدٍ ثابتة،
وتُسند أبناءها بالأخرى، وتمضي بهم نحو غدٍ يشبهها:
هادئًا،
صادقًا، قويًا،
ومليئًا بالنور الذي لم ينطفئ يومًا.






