ا/محمد باجعفر
الإنسان ليس صفحةً بيضاء تُكتب مرة وتنتهي، ولا تمثالًا يُنحت ثم يُترك على رفّ الزمن. الإنسان مشروع لا يهدأ، ساحة صراع بين ما كان وما يجب أن يكون. كل تجربة تترك خدشًا، وكل خذلان يحفر أثرًا، وكل قرارٍ شجاع أو جبان يعيد ترتيب ملامحنا من الداخل.
نحن لا نتغيّر برفق كما يقال؛ نحن نتبدّل أحيانًا على هيئة كسور. كلمة واحدة قد تهدم يقينًا بُني لسنوات، وموقف واحد قد يعرّي قلوبًا ظنناها صلبة. الحياة لا تُربّت على أكتافنا، بل تدفعنا دفعًا لنرى حقيقتنا دون زينة. من يظن أنه بقي كما هو، إمّا غافل أو هارب من مواجهة نفسه.
كبرنا حين اكتشفنا أن بعض الوجوه دروس، وأن بعض القلوب محطات عابرة، وأن النوايا لا تُقاس بالكلام. كبرنا حين فهمنا أن الطيبة بلا حدود تُستنزف، وأن الصمت أحيانًا نجاة، وأن الانسحاب من بعض المعارك انتصار لا هزيمة.
نحن أبناء مواقفنا؛ بها نُعرف وبها نتشكّل. كل ألمٍ لم يكسرنا علّمنا حدًّا جديدًا، وكل خيبةٍ رفعت سقف وعينا، وكل خسارةٍ أعادت ترتيب أولوياتنا بالقوة. لسنا النسخة ذاتها التي أحبت بالأمس، ولا التي وثقت بسهولة، ولا التي كانت تظن أن الجميع يشبه قلبها.
الإنسان الحقيقي هو من يعترف أنه يتغيّر، وأن التغيير ليس خيانةً للماضي بل نجاة من تكراره. أن تنضج يعني أن ترى الأمور بلا أوهام، وأن تختار نفسك حين يلزم، وأن تُغلق الأبواب التي يدخل منها الأذى ولو كان أصحابها مقرّبين.
في النهاية، نحن لا نصحو كل يوم أشخاصًا مختلفين فحسب؛ نحن نصحو أكثر وعيًا، أقل اندفاعًا، وأشد صلابة. ومن لا تعلّمه الأيام، ستعلّمه الصدمات، ومن لا يشكّله الوعي، ستشكّله الخسارات. هكذا تُصنع النفوس: بين ما انكسر، وما تعلّم، وما قرر ألا ينكسر مرة أخرى.









