إعادة الجدولة قوة دولة لا علامة فشل: قراءة عقلانية في مشاريع المملكة العملاقة

 

بقلم أحمد علي بكر

يكثر في الآونة الأخيرة من يحاول تصوير أن المملكة العربية السعودية قد فشلت في إنجاز بعض مشاريعها العملاقة وعلى رأسها مشروع نيوم،ويربطون بين إعادة الجدولة الزمنية لبعض المراحل وبين الفشل،وهذا الطرح في حقيقته طرح سطحي يتجاهل أبسط قواعد الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وإدارة الدول الكبرى،فالمملكة ليست شركة صغيرة تُدار بردّات الفعل ولا مشروعًا محدود الأفق،بل دولة بحجم قارة تقود تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير مسبوق في تاريخ المنطقة ضمن إطار رؤية السعودية 2030،وهذه الرؤية لم تُبنَ على العشوائية ولا على الاندفاع بل على المرونة والاستجابة الذكية للمتغيرات،ومن يظن أن إعادة جدولة المشاريع تعني الفشل فهو إما يجهل طبيعة المشاريع العملاقة أو يتعمد التضليل،فالمشاريع الضخمة في كل دول العالم تخضع لإعادة تقييم مستمرة وفق معطيات السوق والتقنية والاقتصاد والجغرافيا السياسية،وما شهده العالم خلال السنوات الأخيرة من جائحة واضطرابات في سلاسل الإمداد وتقلبات حادة في أسواق الطاقة وارتفاع أسعار الفائدة وتغيرات اقتصادية عميقة يجعل من إعادة الجدولة قرارًا عقلانيًا لا هروبًا من الواقع بل دليل نضج إداري وقدرة على قراءة المستقبل،فالمملكة حين تعيد ترتيب الأولويات فهي تحمي الاقتصاد الوطني وتضمن استدامة المشاريع بدل استنزاف الموارد في توقيت غير مناسب،والتاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة لدول تعثرت لأنها أصرت على التنفيذ الأعمى دون مراعاة المتغيرات بينما الدول الذكية هي التي تعرف متى تتقدم ومتى تُبطئ الخطى لتصل في النهاية بقوة أكبر،ومشروع نيوم ليس مدينة تقليدية تُقاس بجداول زمنية جامدة بل منظومة مستقبلية تعتمد على تقنيات غير مسبوقة بهذا الحجم وهو مشروع تراكمي بطبيعته لا يُقاس بسنوات قليلة بل بعقود من البناء المرحلي،كما أن من يتغافل عن بقية المشاريع الكبرى التي تسير بخطى واضحة ونتائج ملموسة إنما ينتقي ما يخدم خطابه فقط،فمشاريع مثل مشروع البحر الأحمر والقدية وغيرها تشهد تقدمًا فعليًا وتحولًا حقيقيًا على الأرض،وهذا وحده كافٍ لإثبات أن الدولة لا تعمل بمنطق الدعاية بل بمنطق التنفيذ المرحلي المدروس،والقول بأن إعادة الجدولة فشل هو تجاهل لحقيقة أن المملكة اليوم تبني اقتصادًا متنوعًا أقل اعتمادًا على النفط وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات،وهذا بحد ذاته إنجاز استراتيجي ضخم،فالدول العظمى لا تُقاس بنجاح مشروع واحد أو تأخير مرحلة بل بقدرتها على إدارة التحول الشامل دون انهيار أو تراجع،والمملكة اليوم تثبت أنها تمتلك قيادة واعية تعرف متى تتقدم ومتى تعيد الحسابات وتدرك أن الوصول إلى القمم لا يكون دائمًا بخط مستقيم بل عبر مسار متعرج مليء بالمراجعة والتصحيح،ولهذا فإن من يروّج لفكرة الفشل إنما ينظر للمشهد من زاوية ضيقة بينما الواقع يقول إن المملكة تمارس التخطيط الحقيقي لا التخطيط الشعاراتي وتبني مستقبلها بعقل الدولة لا بعقل المزايدات الإعلامية،وما يُعاد جدولته اليوم هو ما سيُنفذ غدًا بصورة أقوى وأكثر استدامة،وهكذا تُبنى الدول الكبرى وتُصنع التحولات التاريخية.

عن سلمي

شاهد أيضاً

رمضان… روضةُ القلوب وموسمُ الصفاء

  بقلم أ. غميص الظهيري ما إنْ هلَّ علينا شهرُ رمضان، حتى انسكبت السكينة في …