حين يضيع الطريق… ويغيب الشعور: أيُّ الضياعين أشدُّ فتكًا بالإنسان؟

 

بقلم: أحمد علي بكري

ليس الضياع حالةً واحدة تُروى بعبارةٍ عابرة، ولا هو عطبٌ طارئ يُصلحه السؤال الأول أو المصادفة الأولى. الضياع طبقات، تتراكب كما تتراكب الظلال عند الغروب؛ بعضها خفيفٌ يشي بالعودة، وبعضها كثيفٌ لا يكاد يسمح بمرور الضوء. وبين طبقتين فاصلتين تتحدد ملامح الإنسان: أن يضلَّ طريقه… أو أن يضلَّ شعوره.

فاقد الطريق تائهٌ، نعم، لكنه لا يزال يمشي. في مشيته ارتباك، وفي نظره قلق، وفي قلبه ارتعاش بوصلةٍ لم تمت بعد. يسأل، يتعثر، يخطئ الاتجاه، ثم يجرّب اتجاهًا آخر. وفي كل تجربةٍ خيطٌ رفيع من الأمل، لأن الحركة بذاتها شهادة حياة، ولأن السؤال—مهما بدا ساذجًا—علامة يقظة. التائه يملك رفاهية أن يندهش، وأن يندم، وأن يخاف؛ وهذه كلها قوى تدفعه إلى الأمام، ولو ببطءٍ متقطع. إن ضياعه مؤقت بطبيعته، لأنه مُعلن: يراه في وجوه الطرق، ويعترف به في داخله.

أما فاقد الشعور فقصته أعمق وأخطر. هو لا يتوه… بل يتوقف. يتوقف عن الدهشة، عن الألم، عن الفرح الذي يلمع في العينين حين يمرّ شيءٌ يستحق الحياة. يعيش في انتظامٍ بارد؛ ينجز مهامه، يجيب حين يُسأل، يبتسم ابتسامةً تُشبه الأقنعة أكثر مما تُشبه الوجوه. لا يسأل لأنه لا يشعر بالحاجة إلى السؤال، ولا يندم لأنه لا يلمس خطأه، ولا يفرح لأن الفرح صار عنده فكرةً لا تجربة. إنّه حاضرٌ جسدًا، غائبٌ روحًا؛ وهذا الغياب هو أكثر أشكال الغياب حضورًا وإيذاءً.

هنا تتبدّى المفارقة القاسية: التائه يعرف أنه تائه، ولذلك يمكن إنقاذه. أمّا فاقد الشعور فلا يدرك أنه فقد ذاته، فيمضي مطمئنًا إلى فراغه، مستقرًّا في خواءٍ لا يزعجه. إن أخطر الضياع ليس أن تخطئ الطريق، بل أن تفقد القدرة على الإحساس بخطئك. عندها لا يعود للطرق معنى، ولا للوجهات قيمة؛ لأن البوصلة نفسها قد انطفأت.

الشعور ليس ترفًا يُزيّن الحياة؛ هو شرطها الأول. به نميّز بين ما ينبغي وما لا ينبغي، به نُقوِّم انحرافنا، وبه نحيا التجربة كاملةً لا ناقصة. الألم—على قسوته—يؤدي وظيفةً نبيلة: ينبهنا إلى موضع الجرح. والفرح—على خفته—يثبّت فينا معنى الاستحقاق. وبينهما يتشكل الوعي، كخيطٍ يجمع أجزاء التجربة في قصةٍ مفهومة. فإذا انقطع هذا الخيط، تفرّقت الحكاية، وصار الإنسان شظايا لا تتآلف.

قد يظن بعضهم أن النجاة تكون بتقليل الإحساس، اتقاءً للوجع، أو هربًا من خيباتٍ متكررة. لكن ما يُطفأ اليوم لئلا يؤلم، ينطفئ غدًا فلا يُفرح. إن تعطيل الحواس الداخلية لا ينتقي، بل يعمّم؛ يقتل الحزن والبهجة معًا، ويتركنا في منطقةٍ رمادية لا لون فيها ولا طعم. وهنا يتحول “السلام” إلى سكونٍ ميت، ويصير “الهدوء” غيابًا لا حضورًا.

كيف يُستعاد الشعور إذن؟ ليس بقرارٍ فجائي ولا بشعارٍ عابر. يُستعاد بالعودة إلى ما يوقظنا: كلمةٍ صادقة تُصيب موضعًا خفيًا في القلب، ذكرى تُعيد ترتيب الألم في معنى، لقاءٍ يذكّرنا بأننا قابلون للتأثر، وأن في داخلنا مساحةً لا تزال قادرة على الاستجابة. يُستعاد أيضًا بالصدق مع النفس: أن نعترف ببلادتنا حين تطرأ، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها دون تزييف. فالاعتراف أول نبضٍ بعد خدر.

ولأن الشعور يُرهق أحيانًا، يحتاج إلى رعايةٍ لا إلى قمع. رعايةٍ تُوازن بين الانفتاح والحماية، بين أن نحسّ بعمق، وأن نعرف كيف ننهض من عمقنا دون أن نغرق. في هذا التوازن تنشأ الحكمة: لا كفكرةٍ معلّقة، بل كخبرةٍ عاشت الألم والفرح معًا، وخرجت منهما بنبرةٍ أكثر اتزانًا.

في النهاية، قد يضل الإنسان طريقه مرارًا، وهذا جزءٌ من إنسانيته. الطرق تُخطئ، والخرائط تُربك، والظروف تُعتم. لكن الكارثة الحقيقية أن يضلّ نفسه، أن يفقد شعوره فيمضي بلا بوصلةٍ داخلية، بلا رجفةٍ تُنبّه، بلا دمعةٍ تُطهّر، بلا فرحٍ يُكافئ. عندها لا يكون قد خسر طريقًا… بل خسر القدرة على الوصول.

فاسأل نفسك بصدق: إن ضللتَ اليوم، هل لا يزال فيك ما يشعر بضلالك؟ إن كان الجواب نعم، فباب العودة مفتوح، والطريق—مهما طال—يمكن أن يُرسم من جديد. أما إن خفَتَ صوت الشعور فيك، فابحث عنه قبل كل شيء؛ لأن العثور على الطريق يبدأ دائمًا… بالعثور على نفسك.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

احبك وكفى اعشقك وكفى

  دكتور_حسن_الأمير إن الطوفان الروحي الذي يبعثه العشق في كينونة الذات ليس مجرد حكاية عابرة يخطها الزمن على هامش الأيام بل هو المحرك الأول الذي تنفكّ عنده مغاليق الوجود……… فالعاشق حين يخطو خطوته الأولى في وادي الوجد لا يعود ينظر إلى الكون بعينين من طين بل تنبعث في باطنه البصيرة الأزلية التي ترى الأشياء في حقيقتها العارية من الزيف…….. إنها اللحظة التي تدرك فيها الروح أن…

زوجة بكامل زينتها ومشاعرها في ليلة طلاقها!

محمد فريح الحارثي لواء متقاعد تمر بنا في حياتنا الاجتماعية قصص عن الخلافات الزوجيه المؤلمة، ورغم قساوتها على النفس إلا أننا نجد فيها دروس عجيبة في مدرسة الحياة الزوجية. ومن بين ما وقفتُ عليه بنفسي في بعض قضايا الإصلاح، قصة زوجة عانت طويلاً من قسوة زوجها وجفاف طباعه، وفي يوم من الأيام، بلغ الخلاف ذروته، فطلقها الزوج في لحظة غضب عارمة وقال لها بصرامة: “إنقلعي إلى…

لقد فاتك ذلك

رئاسة الشؤون الدينية توضح خطيبا الجمعة في الحرمين الشريفين ليوم بعد غد الجمعة 12 جمادى الأولى 1448هـ 

رئاسة الشؤون الدينية توضح خطيبا الجمعة في الحرمين الشريفين ليوم بعد غد الجمعة 12 جمادى الأولى 1448هـ 

لأول مرة مهرجان أفلام سينما عوالم عربية ودي-كاف يقومون بحفظ وترميم أرشيف السينما العربية بالمعهد الفرنسي

لأول مرة مهرجان أفلام سينما عوالم عربية ودي-كاف يقومون بحفظ وترميم أرشيف السينما العربية بالمعهد الفرنسي

منح الطوهري درجة الدكتوراة

منح الطوهري درجة الدكتوراة

بحضور محافظ قلوة علي بن أحمد الشهري.. مبادرة «لك مكان» تعزز تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة

بحضور محافظ قلوة علي بن أحمد الشهري.. مبادرة «لك مكان» تعزز تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة

احبك وكفى اعشقك وكفى

احبك وكفى اعشقك وكفى

زوجة بكامل زينتها ومشاعرها في ليلة طلاقها!

زوجة بكامل زينتها ومشاعرها في ليلة طلاقها!

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode