وداعًا أبا تاليا.. حين يكسرُ الموتُ غصنَ الألفة

 

بقلم: أحمد علي بكري

ليس أصعب على النفس من أن تستيقظ على فاجعةٍ تخطفُ من بيننا روحاً كانت بالأمس تملأ الدنيا صخباً من المحبة، وعطاءً لا ينضب. بالأمس، فجعنا جميعاً برحيل الزميل الفاضل والمربي القدير، مدير المدرسة الأستاذ إبراهيم سوادي (أبا تاليا)، إثر حادث مروري أليم، طوى صفحةً من أنقى صفحات البذل، وترك في قلوبنا غصةً لا يداويها إلا الإيمان بالقضاء والقدر.

لقد كان “أبا تاليا” أكثر من مديرٍ يقود صرحاً تعليمياً؛ كان روحاً تسري في أرجاء المدرسة، ومظلةً يستظل بها الصغير قبل الكبير. غاب اليوم عن طابور الصباح، فغدت المدرسة موحشة، وجدران الفصول ثكلى، حتى الطلبة، أبناؤه الذين زرع فيهم روح الأسرة الواحدة، اجتاحهم حزنٌ فاق وصف الكلمات. لقد غادرنا جسداً، لكن الضياء الذي تركه فينا من محبةٍ وأخلاقٍ وقيم سيبقى سراجاً لا ينطفئ.

وعلى وقع هذا المصاب الجلل، انسابت هذه الكلمات رثاءً ووفاءً:

مَالي وَلِلطَّابُورِ يَرْعَانِي وَأَرْعَاهُ

أَمْسَى كِلانَا تَفِيضُ الدَّمْعَ عَيْنَاهُ

إِنِّي تَذَكَّرْتُ وَالذِّكْرَى مُؤَرِّقَةٌ

شَخْصاً عَزِيزاً بِمُرِّ الأَمْسِ دَفَنَّاهُ

يَا مَنْ فُجِعْنَا بِهِ فِي دَرْبِ رِحْلَتِهِ

وَحَادِثٍ غَادِرٍ بِالبَيْنِ أَخْفَاهُ

يَا “بَا تَالِيَا” وَدُمُوعُ الفَقْدِ جَارِيَةٌ

وَالخَلْقُ تَبْكِي كَرِيماً طَابَ ذِكْرَاهُ

قَدْ أَظْلَمَتْ بَعْدَكَ الأَرْجَاءُ مُوحِشَةً

حَتَّى الجِدَارُ بَكَى، وَالصَّفُّ نَادَاهُ

وَالطِّفْلُ قَبْلَ المُعَلِّمِ هَالَهُ خَبَرٌ

فَاهْتَزَّ حُزْناً، وَدَمْعُ العَيْنِ يَغْشَاهُ

كُنْتَ الوَفَاءَ.. وَكُنْتَ الدِّفْءَ نَلُوذُ بِهِ

وَاليَوْمَ غِبْتَ.. فَمَاذَا بَعْدُ نَلْقَاهُ؟

مَا كُنْتَ فِينَا مُدِيراً بَلْ أَبَاً بَرَّاً

وَجَوَّ أُنْسٍ بِنُبْلِ الرُّوحِ صُغْنَاهُ

إِبْرَاهِيمُ الخَيْرِ كَمْ غَرَسْتَ مِنْ قِيَمٍ

حَتَّى غَدَوْنَا بِظِلِّ الحُبِّ نَحْيَاهُ

يَا مَنْ زَرَعْتَ رُوحَ المَحَبَّةِ بِنَا

لَا وَاللهِ مَا مَاتَ فِينَا اليَوْمَ مَغْنَاهُ

قَدْ غِبْتَ جِسْمَاً وَلَكِنْ فِي جَوَانِحِنَا

بَاقٍ بنا وَفِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْكَ ذِكْرَاهُ

فَنَمْ قَرِيرَاً عَمِيمَ الفَضْلِ يَا عَلَمَاً

مَا خَانَ عَهْدَ الوفَا يَوْماً وَلَا سَاهُ

لَا تَبْتَئِسْ.. مَا تَرَكْتَ اليَوْمَ مِنْ مِقَةٍ

نُورٌ سَيَبْقَى.. وَلَنْ تُمْحَى زَوَايَاهُ

لَنْ نَنْسَ عَهْدَاً وَدَادِيَّاً يُؤَرِّقُنَا

فَالحُبُّ دَيْنٌ.. وَفِي الأَرْوَاحِ مَأْوَاهُ

ختاماً، يا أبا تاليا، نم قرير العين، فقد غادرتنا جسداً، لكن جو الأسرة الذي بنيته بيننا باقٍ. رحمك الله رحمة الأبرار، وأسكنك فسيح جناته، وألهمنا وأهلك الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

كسوة البيت العتيق.. تجديد فخرٍ يكسو القلوب قبل الحجر 

  صحيفة صدى نيوز s يوسف بن سالم / الرياض مع فجر كل عام هجري جديد يتجدد في مكة شرف عظيم تغيير كسوة الكعبة المشرفة لحظة تهتز لها القلوب قبل الأبصار   شرف لا ينقطع كسوة الكعبة سنة تعظيم بدأت من الجاهلية واستمرت ملوك وخلفاء تسابقوا على هذا الشرف واليوم تحمل المملكة الأمانة بكل إتقان عبر مصنع سعودي متكامل ينتج أجود أنواع الحرير ويطرز بذهب لا…

دام عزك يا علم التوحيد

  صحيفة صدى نيوز s يوسف بن سالم / الرياض *”لا إله إلا الله محمد رسول الله*” ثمان كلمات ترفع الرأس. سيف يرمز للعدل. أخضر يرمز للنمو والعطاء. هذه ليست مجرد ألوان *هذي هوية* *وطن.* 3 معاني يوم نشوف علمنا مرفوع عالمياً: هيبة لا تنكس علم المملكة هو العلم الوحيد في العالم اللي ما يُنكّس حداداً لأن كلمة التوحيد ما تُنكس ولا تُهان. تشوفه مفرود كامل…

لقد فاتك ذلك

عبدالله صالح كامل: الشراكة السعودية الفرنسية تدخل مرحلة جديدة مدفوعة بالاستثمار والابتكار

عبدالله صالح كامل: الشراكة السعودية الفرنسية تدخل مرحلة جديدة مدفوعة بالاستثمار والابتكار

“صحة مكة” تكرم كفى لتوعيتها وعلاجها آلاف الحجاج والزوار

“صحة مكة” تكرم كفى لتوعيتها وعلاجها آلاف الحجاج والزوار

التراث ابعد من حكاية

التراث ابعد من حكاية

“ليان الثقافية وعبق الثقافة” يدشنان جائزة ضياء عزيز للبورتريه

“ليان الثقافية وعبق الثقافة” يدشنان  جائزة ضياء عزيز للبورتريه

كسوة البيت العتيق.. تجديد فخرٍ يكسو القلوب قبل الحجر 

كسوة البيت العتيق.. تجديد فخرٍ يكسو القلوب قبل الحجر 

دام عزك يا علم التوحيد

دام عزك يا علم التوحيد

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode