التقدير

في عالمٍ يمضي بسرعة، وتتنافس فيه الإنجازات على الظهور، يبقى “التقدير” أحد أكثر القيم إنصافًا وتأثيرًا… ومع ذلك، هو من أكثرها غيابًا. ليس لأن الناس لا تدرك أهميته، بل لأنهم في كثير من الأحيان يستهينون به، أو يؤجلونه، أو يظنون أنه أمر ثانوي لا يستحق التوقف عنده.

التقدير ليس مجرد كلمة عابرة، ولا مجاملة اجتماعية تُقال في المناسبات، بل هو فعل إنساني عميق يعكس وعي الإنسان بقيمة الآخر. حين تقول لشخص: “أحسنت”، “تعبك واضح”، أو “أنا أقدّر ما فعلت”، فأنت لا تمنحه كلمات فقط، بل تمنحه شعورًا بالاعتراف، وتُعيد إليه ثقته بنفسه، وتُشعل داخله دافعًا للاستمرار.

لكن لماذا نغفل عن التقدير؟

أحيانًا لأننا اعتدنا على وجود الأشخاص وجهودهم، فصار العطاء بالنسبة لنا أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تعليق. وأحيانًا لأن البعض يظن أن التقدير قد يُضعف سلطته، أو يجعل الآخرين يتراخون، وهذا تصور خاطئ تمامًا؛ فالتقدير لا يُفسد، بل يُصلح، ولا يُضعف، بل يُقوّي.

وقد يكون السبب أيضًا أن بعض الناس لم يتلقوا التقدير في حياتهم، فلم يتعلموا كيف يمنحونه لغيرهم. فالتقدير سلوك يُكتسب، وثقافة تُزرع، تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى العمل، ثم تنعكس على المجتمع كله.

أما عن فوائده، فهي عظيمة وعميقة. التقدير يُعزز الثقة بالنفس، ويخلق بيئة إيجابية مليئة بالحماس. يجعل الإنسان يرى جهده ذا قيمة، فيضاعف عطاؤه دون أن يُطلب منه ذلك. التقدير أيضًا يبني علاقات قائمة على الاحترام والامتنان، ويُقلل من مشاعر الإحباط والتجاهل التي قد تقتل الطموح بصمت.

ومن الناحية النفسية، أثبتت التجارب أن الإنسان الذي يُقدَّر، يكون أكثر إنتاجية، وأكثر التزامًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات. لأن التقدير يُغذّي حاجة داخلية عميقة لدى كل إنسان: أن يُرى، أن يُسمع، وأن يُعترف به.

في المقابل، غياب التقدير لا يمرّ مرور الكرام. قد يؤدي إلى فتور، أو انسحاب، أو حتى فقدان الشغف. كم من شخص كان يمكن أن يبدع أكثر، لو وجد كلمة دعم في الوقت المناسب؟ وكم من طاقة توقفت، لأنها شعرت أن جهدها لا يُرى؟

إن التقدير لا يحتاج إلى تكلفة، ولا إلى وقت طويل، لكنه يحتاج إلى وعي. يحتاج أن نُدرك أن الكلمة الطيبة قد تصنع فرقًا في حياة إنسان، وقد تكون السبب في استمراره أو توقفه.

في النهاية، التقدير ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية. هو لغة راقية تختصر الكثير من المعاني، وتبني جسورًا من الثقة والمحبة. وإذا أردنا مجتمعًا ناجحًا، وأفرادًا منتجين، فعلينا أن نُعيد للتقدير مكانته… لأن التقدير حين يُعطى بصدق، يصنع معجزات

بقلم ريم الزهراني

ج

صدى نيوز اس 1

Related Posts

بين الشروق والغروب… حكايةُ عمر

عبدالله شراحيلي ابو يحى ما بين الشروق والغروب لا تمضي ساعات النهار فحسب، بل تمضي أعمار البشر، وكأن الشمس ساعةٌ كبرى علَّقها الله في فضاء الكون لتذكِّر الإنسان أن الزمن لا يتوقف، وأن الحياة ليست إلا رحلةً قصيرة بين نورٍ يولد ونورٍ يأفل. فإذا أشرقت الشمس، حسب الناس أنها تُنير الأرض، وما دروا أنها تُوقظ في القلوب عهدًا جديدًا مع الأمل، وتفتح للنفوس بابًا آخر للتوبة…

سباق المظاهر: كيف ندمر حياتنا بمقارنات ورغبات لا تنتهي؟

بقلم / محمد فريح لواء متقاعد حين يقع بعضنا في فخ الخوارزميات الجذابة، فهو لا يكتفي بمجرد تصفح عابر لشاشة هاتفه، بل يفتح باباً واسعاً على سجن قاتل اختاره بنفسه. في هذا العالم الافتراضي البراق، تحولت الحياة إلى عرض مستمر من المظاهر الخادعة: طائرات ويخوت وسيارات فارهة، إجازات استثنائية، سفريات هوليوودية، وابتسامات عريضة تُصنع خصيصاً لعدسات الكاميرا. وهنا تبدأ المأساة الصامتة؛ مأساة “المقارنة”. لم يعد الإنسان…

لقد فاتك ذلك

فضل الدعاء وآدابه محور خطبة الجمعة بمسجد الشاكرين في مكة المكرمة

فضل الدعاء وآدابه محور خطبة الجمعة بمسجد الشاكرين في مكة المكرمة

وفد فريق الدرعية التطوعي يحط رحاله في مهرجان شقراء للفلفل وتغطية إعلامية من صحيفة صدى نيوز إس

وفد فريق الدرعية التطوعي يحط رحاله في مهرجان شقراء للفلفل وتغطية إعلامية من صحيفة صدى نيوز إس

بين الشروق والغروب… حكايةُ عمر

بين الشروق والغروب… حكايةُ عمر

إطلاق التشغيل التجريبي لصالة الحجاج الجديدة بمطار الملك عبدالعزيز بجدة

إطلاق التشغيل التجريبي لصالة الحجاج الجديدة بمطار الملك عبدالعزيز بجدة

مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي يفتح باب المشاركة في مسابقة “ابتكر” بالدورة الرابعة

مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي يفتح باب المشاركة في مسابقة “ابتكر” بالدورة الرابعة

سباق المظاهر: كيف ندمر حياتنا بمقارنات ورغبات لا تنتهي؟

سباق المظاهر: كيف ندمر حياتنا بمقارنات ورغبات لا تنتهي؟

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode