مجرّة في ورقة: درس في الامتنان

 

بقلم : تهاني سعود الزهراني

نجمتان… وتأمل في مستقبلٍ لا داعي له

دخل عليّ عبد الله ذلك اليوم بطريقة لا يدخل بها طفل عائد من المدرسة، بل بطريقة أقرب إلى موظف حصل على ترقية، أو قائد عاد من نصر صغير لكنه كافٍ لرفع الرأس

كان يركض، لا يمشي ويلوّح بورقة يحملها وعيناه تسبقان صوته في إعلان الخبر

قال: وهو يلهث من فرط الحماسة

“ماما… شوفِي! نجمتين!”

ورفع الورقة أمامي كما لو كانت وثيقة تاريخية.

نظرت إلى الورقة

نجمتان بقلم أحمر

هذا كل ما في الأمر

لكن يبدو أن “كل ما في الأمر” عند الأطفال… ليس قليلًا كما نظن

كان عبد الله يعيش نشوة كاملة الفرح في صوته الفخر في وقفته الرضا في تلك الابتسامة التي لا تصطنع نفسها

ولسبب ما، بدل أن أبقى داخل المشهد، وجدت عقلي يهرب إلى المستقبل

قلت في نفسي: بكرة يكبر… وتتغير نظرته

بكرة لن تفرحه نجمتان

بكرة سيدرك أن الحياة أعقد من هذا

بكرة… وبكرة… وبكرة

ثم توقفت

وسألت نفسي: ولماذا أفترض دائمًا أن الكِبر خسارة؟

لماذا أفترض أن الطفل حين يكبر، سيخسر هذه القدرة الجميلة على الفرح؟

ولماذا لا يخطر لي احتمال آخر… أن المشكلة ليست أنه سيكبر، بل أننا نحن كبرنا بطريقة غير موفقة؟

لأن الحقيقة أن عبد الله لم يكن ساذجًا وهو يفرح بنجمتين

بل كان، في تلك اللحظة، يفهم شيئًا ننساه نحن

أن الإنجاز الصغير يستحق احتفالًا حتى لو كان تقدير بسيطًا—يغذي الإنسان

وقفت أتأمل.. كيف النجمتين البسيطة قلبت كيمياء جسمه ورفعت هرمونات السعادة عنده لأعلى مستوى؟

لماذا في عمرنا لدينا شروط الفرح؟

لكننا نحن الكبار أصحاب مشكلة مزمنة مع الأشياء الصغيرة

نريد من الحياة دائمًا “نجومًا أكبر”

ترقية، بيت، مشروع، إنجاز ضخم… وإلا لا نشعر بشيء

أما الطفل، فيصنع مجرّة كاملة من نجمتين

وهنا المفارقة

نحن نعدّ هذا نقص خبرة

وأنا بدأت أراه وفرة حكمة

العلم سيقول إن الطفل حين يُمدح أو يُكافأ، تتحرك داخله منظومات الشعور بالمكافأة، ويرتبط الإنجاز بالثقة والرضا

أما أنا، فكل ما رأيته ببساطة

ولد صغير… فرح لأنه أُحسن إليه

وهذا تعريف إنساني عظيم للسعادة

السعادة ربما ليست في عظمة ما نملك

بل في قدرتنا على الامتلاء بما يصلنا

 

 

 

عبد الله لم يسأل:

هل النجمتان كافيتان؟

هل يستحق هذا كل هذا الحماس؟

هل غيري حصل على ثلاث؟

هو فرح… وانتهى.

نحن فقط من نعقّد الأمور

والأطرف أنني، وأنا أراقبه، شعرت أني من يحتاج التربية هنا… لست أنا التي أربيه، بل هو الذي يربي شيئًا فيّ

يعلّمني أن الامتنان مهارة

وأن الفرح لا يحتاج مبررات ضخمة

وأن الإنسان ينمو بالتقدير، لا بالنقص الدائم

عدت أفكر: ربما ليس المطلوب أن يكبر عبد الله ويتخلى عن فرحة النجمتين

بل أن يكبر، ويحتفظ بها

وربما المطلوب مني أنا أيضًا… أن أستعيد شيئًا منها

أن أرى النجوم الصغيرة في يومي

مهمة أنجزتها,كلمة طيبة سمعتها ,صبر نجحت فيه

نجوم… لكننا لا نعدّها

خرجت من المشهد باستنتاج بسيط:

ربما النضج الحقيقي ليس أن تتوقف عن الفرح بالأشياء الصغيرة

بل أن تبقى، مهما كبرت، قادرًا أن تدخل على الحياة ملوّحًا بورقة وتقول بفخر

“شوفي… نجمتين”

صدى نيوز اس 1

Related Posts

نحن نحتفي بهم كل يوم أحياءً وأموات.. حق الوالدين أكبر من يوم عالمي

✍️محمد فريح الحارثي لواء متقاعد. تنشط منصات التواصل الاجتماعي، وتتزين واجهات الإعلانات هذه الأيام بمظاهر الاحتفاء بـ “يوم الأب العالمي”، وقبله بأسابيع كان الاحتفاء بـ “يوم الأم”. وهي بلا شك لفتة إنسانية جميلة في عالم مادي متسارع، يعيد تذكير الإنسان المعاصر بجذوره، ويمنحه فرصة ليقول “شكراً” لمن بذلوا العمر لأجله، ويشعل شمعة أمل في مجتمعات قد أشغلتهم عن والديهم مشاغل الحياة. لكن، بالنسبة لنا كأمة تنتمي…

وصية ورسالة من عبدالله سعيد أبوهتان

بقلم/ خضران الزهراني في كلماتٍ صادقة تنبع من قلب أبٍ محب ومعلمٍ ناصح، جاءت وصية ورسالة الأستاذ عبدالله سعيد أبوهتان حاملةً بين طياتها أسمى معاني التوجيه والتربية، لتكون نبراسًا يهتدي به الأبناء في مسيرة حياتهم. فقد تضمنت رسالته العديد من القيم والمبادئ الأصيلة التي تدعو إلى التمسك بالدين، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والتحلي بالأخلاق الحميدة، واختيار الرفقة الصالحة، والابتعاد عن كل ما يضر الإنسان في دينه…

لقد فاتك ذلك

وصية ورسالة من عبدالله سعيد أبوهتان

نحن نحتفي بهم كل يوم أحياءً وأموات.. حق الوالدين أكبر من يوم عالمي

نحن نحتفي بهم كل يوم أحياءً وأموات.. حق الوالدين أكبر من يوم عالمي

مشاريع واعدة ترسم ملامح المستقبل في معرض Visionary 2026 بجامعة دار الحكمة  

مشاريع واعدة ترسم ملامح المستقبل في معرض Visionary 2026 بجامعة دار الحكمة   

رئاسة الشؤون الدينية تُطلق الدورة العلمية الصيفية «البناء الفقهي والأصولي» في المسجد الحرام

رئاسة الشؤون الدينية تُطلق الدورة العلمية الصيفية «البناء الفقهي والأصولي» في المسجد الحرام

وصية ورسالة من عبدالله سعيد أبوهتان

وصية ورسالة من عبدالله سعيد أبوهتان

التاريخ يُكتب في فانكوفر: الفراعنة يحققون الفوز الأول في تاريخهم بكأس العالم بريمونتادا مثيرة أمام نيوزيلندا

التاريخ يُكتب في فانكوفر: الفراعنة يحققون الفوز الأول في تاريخهم بكأس العالم بريمونتادا مثيرة أمام نيوزيلندا

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode