هل تتناسب السعادة عكسيًا مع تقدم العمر؟ حوار فلسفي حول سؤال يرافق الإنسان منذ ولادته

 

بقلم: أحمد علي بكري

“هل السعادة تتناسب عكسيًا مع تقدم العمر؟” طرح هذا السوال بمجموعة واتس اب بها كوكبة من الادباء و المفكرين وللوهلة الأول قد يبدو السؤال بسيطًا في صياغته، لكنه من تلك الأسئلة التي لا تبحث عن إجابة واحدة بقدر ما تكشف طريقة كل إنسان في فهم الحياة نفسها. فحين يُطرح هذا السؤال في أي مجلس أو مجموعة نقاش، لا يتحدث الناس عن “السعادة” فقط، بل يتحدث كل واحد منهم عن رحلته الخاصة مع الأيام، عن خساراته الصغيرة، عن الأشياء التي تغيرت داخله دون أن ينتبه، وعن ذلك الإنسان الذي كانه يومًا ثم لم يعده الآن.

البعض يرى أن السعادة لا علاقة لها بالعمر أصلًا، وأن الإنسان قادر على العثور عليها في كل مرحلة من حياته ولكن بأشكال مختلفة. وهذا الرأي يحمل شيئًا عميقًا من الحكمة؛ لأن الطفل لا يفرح بالطريقة ذاتها التي يفرح بها رجل تجاوز الستين. الطفل يرى العالم كاكتشاف مستمر، بينما الكبير يرى السعادة غالبًا في الهدوء والطمأنينة وغياب الألم. هنا لا تختفي السعادة، بل يتغير شكلها فقط.

وفي المقابل، هناك من يلمّح إلى أن التقدم في العمر يسلب الإنسان شيئًا أساسيًا من خفته الداخلية. فكل سنة إضافية لا تمنحنا الخبرة فقط، بل تمنحنا أيضًا ذاكرة أثقل. مسؤوليات أكثر، خسارات أكثر، وأحيانًا خوفًا أكبر من المستقبل. الإنسان في بدايات عمره يعيش بعفوية لأنه لا يدرك هشاشة الحياة بعد، لكن مع مرور الزمن يبدأ بفهم أن كل شيء قابل للفقد، وأن الأشياء الجميلة لا تدوم كما كان يظن.

ولهذا نجد من يقول إن السعادة مجرد “لحظات” خاطفة، مثل يراعات مضيئة تظهر ثم تختفي سريعًا. وهذه الفكرة رغم بساطتها تحمل نظرة فلسفية عميقة؛ لأنها ترى أن الخطأ الأكبر ليس في غياب السعادة، بل في محاولة تحويلها إلى حالة دائمة. الإنسان يريد من الحياة أن تمنحه شعورًا ثابتًا من الرضا، بينما طبيعة الحياة نفسها قائمة على التغير والتقلب. لا يوجد شعور يبقى إلى الأبد، لا الفرح ولا الحزن.

لكن الملفت أن بعض الآراء لم تربط السعادة بالعمر بقدر ما ربطتها بطريقة تفكير الإنسان. هناك من يرى أن السعادة قرار داخلي أكثر من كونها نتيجة لظروف خارجية، وأن الإنسان حين يتدرب على رؤية التفاصيل الجميلة يصبح أكثر قدرة على مقاومة قسوة الحياة. فنجان قهوة، ضحكة طفل، جلسة هادئة، نسمة صباح، حديث عابر مع شخص نحبه… أشياء صغيرة جدًا، لكنها أحيانًا تنقذ الروح من ثقل الأيام.

وهنا يظهر سؤال آخر أكثر عمقًا: هل نفقد السعادة فعلًا مع العمر، أم نفقد قدرتنا على ملاحظة الأشياء البسيطة التي كانت تصنعها؟

لأن الإنسان حين يكبر، يبدأ بالنظر للحياة بعين الحسابات لا بعين الدهشة. يصبح مشغولًا بما ينقصه أكثر مما يملكه. يربط راحته بأهداف مؤجلة: عندما أحقق النجاح، عندما أمتلك المال، عندما تنتهي مشاكلي، عندما أرتاح من المسؤوليات. لكنه يكتشف لاحقًا أن الحياة لا تتوقف لتمنحه تلك اللحظة الكاملة التي تخلو من التعب.

وربما لهذا السبب يبدو الأطفال أكثر سعادة؛ ليس لأن حياتهم مثالية، بل لأنهم يعيشون اللحظة دون تفكير مفرط.

ومع ذلك، لا أعتقد أن العمر عدو للسعادة كما يظن البعض. أحيانًا يكون التقدم في السن هو ما يمنح الإنسان نضجه الحقيقي وراحته النفسية. فهناك أشياء لا نتعلمها إلا بعد التعب الطويل: كيف نتجاوز، كيف نتسامح، كيف نختار معاركنا، وكيف نتوقف عن مطاردة ما لا يستحق. بعض الناس لا يجدون سلامهم الداخلي إلا بعدما يتصالحون مع فكرة أن الحياة ناقصة بطبيعتها.

السعادة في العشرين قد تكون صاخبة ومندفعة ومليئة بالأحلام، أما في الكبر فقد تصبح أكثر هدوءًا وعمقًا. في البداية نبحث عن الإثارة، ثم نكتشف لاحقًا أن الطمأنينة نفسها نوع نادر من السعادة.

لذلك، أرى أن السؤال لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا. السعادة لا تتناسب عكسيًا مع العمر بالضرورة، لكنها تتغير كلما تغير الإنسان نفسه. قد تقل الضحكات العالية، لكن يزداد الفهم. قد تخف الحماسة، لكن يكبر الاتزان. وقد يفقد الإنسان أشياء كثيرة مع الوقت، لكنه أحيانًا يربح نفسه أخيرًا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

جهود المملكة في خدمة حجاج بيت الله الحرام

العارضة – صحيفة صدى نيوز اس عبدالله شراحيلي في ظلِّ الرعاية الكريمة لمولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، تواصل المملكة العربية السعودية جهودها العظيمة في خدمة حجاج بيت الله الحرام، واضعةً راحة ضيوف الرحمن وسلامتهم في مقدمة أولوياتها، انطلاقًا من شرف خدمة الحرمين الشريفين والعناية بقاصديهما من مختلف أنحاء العالم…

الطوافة في عهد رؤية 2030

بقلم الدكتورة / سميرة عزيز :جدة:- في الوقت الذي تواصل فيه المملكة العربية السعودية توسعها غير المسبوق وتحديثها الشامل لخدمات الحج ضمن مستهدفات رؤية 2030، برزت شركات الطوافة كإحدى أهم الركائز المؤثرة في تشكيل الصورة الذهنية العالمية للمملكة في خدمة ضيوف الله. ويُعدّ الحج، الرحلة الإيمانية السنوية إلى مكة المكرمة، واحدًا من أكبر التجمعات الدينية في العالم، فيما تتولى شركات الطوافة والمطوفون مسؤولية إرشاد الحجاج وخدمتهم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

اللجنة العليا للمشاريع والإرث تشارك في حفل استقبال رفيع المستوى بالأمم المتحدة احتفاءً بإرث كأس العالم FIFA قطر 2022™️

اللجنة العليا للمشاريع والإرث تشارك في حفل استقبال رفيع المستوى بالأمم المتحدة احتفاءً بإرث كأس العالم FIFA قطر 2022™️

جهود المملكة في خدمة حجاج بيت الله الحرام

جهود المملكة في خدمة حجاج بيت الله الحرام

بـ 221 تغطية إعلامية. ملتقى “حفظ النعمة الأول” بجازان يختتم فعالياته بنجاح استثنائي

بـ 221 تغطية إعلامية. ملتقى “حفظ النعمة الأول” بجازان يختتم فعالياته بنجاح استثنائي

الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين تسخر مركزان رئيسيان و19مركزًا فرعيًا لخدمة ضيوف الرحمن بالحرمين الشريفين

الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين تسخر  مركزان رئيسيان و19مركزًا فرعيًا لخدمة ضيوف الرحمن بالحرمين الشريفين

هل تتناسب السعادة عكسيًا مع تقدم العمر؟ حوار فلسفي حول سؤال يرافق الإنسان منذ ولادته

هل تتناسب السعادة عكسيًا مع تقدم العمر؟  حوار فلسفي حول سؤال يرافق الإنسان منذ ولادته

الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين تطبّق ترميزًا لونيًا لأعمدة المسجد الحرام يسهّل على القاصدين الوصول إلى وجهاتهم

الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين تطبّق ترميزًا لونيًا لأعمدة المسجد الحرام يسهّل على القاصدين الوصول إلى وجهاتهم

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode