العارضة – صحيفة صدى نيوز اس
عبدالله شراحيلي
وهكذا تفجع القلوب بفراق من نحب، وتتساقط الدموع حارةً على الخدود، وتبقى الذكريات شاهدةً على أيامٍ كانت عامرةً بالمودة والأنس والفرح. فالفقد من أشد ما يمر بالإنسان في هذه الحياة، ولا سيما إذا كان المفقود قطعةً من القلب وفلذةً من الكبد.
ومع عظم المصيبة وألم الفراق، يبقى المؤمن متحصناً بالإيمان بقضاء الله وقدره، مستحضراً أن الدنيا دار عبور لا دار خلود، وأن كل حيٍّ إلى زوال، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾.
لقد وعد الله الصابرين بأعظم الجزاء، فقال جل شأنه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فالصبر ليس استسلاماً للحزن، بل هو عبادة عظيمة يتقرب بها العبد إلى ربه، ويستجلب بها رحمته ورضوانه.
وقد قال رسول الله ﷺ: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»، وقال ﷺ: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد».
ومن أعظم ما يواسي القلوب المؤمنة أن الله سبحانه لم يجعل الفراق نهاية المطاف، بل وعد عباده الصالحين بالاجتماع بأحبتهم وذرياتهم في الجنة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. فكم من قلبٍ منكسرٍ عزّاه هذا الوعد الكريم، وكم من عينٍ دامعةٍ جفف دمعها رجاء اللقاء في دار الخلود.
إن الأحبة وإن غابوا عن أعيننا، فإنهم لا يغيبون عن قلوبنا ودعواتنا، وما أجمل أن يتحول الحزن عليهم إلى دعاءٍ دائم، وصدقةٍ جارية، واستغفارٍ لا ينقطع، لعل الله أن يرفع درجاتهم ويجمعنا بهم في مستقر رحمته.
فاللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واغفر لهم، واجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وألهم أهلهم الصبر والسلوان، واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من غير سابقة عذاب ولا حساب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
يا راحلينَ وفي القلوبِ مَحَبَّةٌ
بقيتْ تُؤَرِّقُ مُهجتي وتُنادي
نمتمْ بعينِ اللهِ خيرَ كرامةٍ
ورجوتُكمْ في جنةِ الميعادِ
إن غابَ شخصُكمُ عن العينِ التي
تبكي فذكراكمْ بعمقِ فؤادي
صَبْرٌ جميلٌ ما شكوتُ مصيبتي
إلا إلى ربٍّ عظيمِ الوادي
اللهُ وعدَ الصابرينَ كرامةً
ورضا ورحمةَ خالقِ العبادِ
وسنلتقي بإذنِ ربٍّ عادلٍ
في جنةٍ خضراءِ خيرِ بلادِ
هناك لا حزنٌ يمرُّ بخاطرٍ
ولا فراقٌ بعد طولِ بعادِ
فاللهم اجمعنا بمن نحبُّهمُ
في الفردوسِ مع النبيِّ الهادي.








