بين كسب القلوب وكسرها.. خيطٌ حَريريّ اسْمُه “الأُسلوب”

بقلم الدكتور/

خالد بن عمر بن محمد العمودي: جدة:-

عِبارةٌ جَميلةٌ أسَرَتني، فاسْتَدْعَتْ مِدادي لِيَسِيلَ بَانْسِيابِيَّةٍ هادِئَةٍ، ورسالةٍ هادِفَةٍ؛ إذ تذكّرتُ معها المَقُولَةَ المأثورة: “إنَّ بَينَ الحَلالِ والحَرامِ شَعْرَة”، وكذلك هو الحالُ بينَ كَسْبِ النُّفوسِ ونُفورِها.. شَعْرَةٌ دَقِيقَةٌ تُدْعَى “الأسْلُوب”.

نعم، إنَّ صاحِبَ الأسلوبِ الرَّائِق والكلِمَةِ الطَّيِّبَةِ يُقْبَلُ مِنهُ كُلُّ شيءٍ، حتى العِتَاب، فالكلمةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ تَسْتَقِرُّ فِي القَلْبِ. وعلينا أنْ نُدْرِكَ أنَّ “الذَّوْقَ” زَهْرَةٌ نَادِرَةٌ لا تَنْبُتُ فِي كُلِّ الحَدَائِقِ، وبالمِثْلِ فإنَّ حُسْنَ الأسلوبِ خَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ لا يَمْتَلِكُها كُلُّ البَشَرِ.

ويَحْضُرُنِي هنا حِوَارٌ بَلِيغٌ يُرْوَى عَنْ بَائِعِ عَسَلٍ سَأَلَ بَائِعَ خَلٍّ: “لِمَاذَا يُقْبِلُ النَّاسُ عَلَيْكَ بِشَغَفٍ، ويُدْبِرُونَ عَنِّي؟”، فَأَجَابَهُ بَائِعُ الخَلِّ بِحِكْمَةٍ: “لأَنِّي أَبِيعُ الخَلَّ بِلِسَانٍ مِن عَسَلٍ، وأَنْتَ تَبِيعُ العَسَلَ بِلِسَانٍ مِن خَلٍّ!”.

فانْظُرُوا كَيْفَ يَصْنَعُ الأسلوبُ الفَارِقَ! وَهَذَا مَا يُصَدِّقُ المَثَلَ السَّائِرَ: “لِسَانُكَ حِصَانُكَ، إنْ صُنْتَهُ صَانَكَ، وإِنْ هُنْتَهُ هَانَكَ”. فالأسلوبُ كَالمِفْتَاحِ السِّحْرِيِّ؛ إذَا أحْسَنْتَ صُنْعَهُ واختِيَارَهُ، أَقْفَلْتَ بِهِ الأفْوَاهَ، وفَتَحْتَ بِهِ المَغَالِيقَ من القُلُوبِ.

ومِنْ رَوَائِعِ الأسلوبِ عِنْدَ طَلَبِ الحَاجَاتِ كَلِمَةُ “أَبْشِرْ”؛ فَهِيَ كَلِمَةٌ تَأْسِرُ النفوسَ وتَمْتَصُّ عَنَاءَ الطَّلَبِ. فَإِذَا تَعَذَّرَ تَحْقِيقُ المَطْلُوبِ بَعْدَها، وقُدِّمَ العُذْرُ بِأَدَبٍ، كَانَ ذَلِكَ أَرْحَمَ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّدِّ المُبَاشِرِ وَ”الجَفَاءِ”. أَمَّا إِذَا نُفِّذَ المَطْلُوبُ بِلَا طِيبِ خَاطِرٍ، فَلَنْ يَجِدَ السَّائِلُ لَهُ لَذَّةً، بَلْ سَيَكُونُ طَعْمُ المَعْرُوفِ مُرَّاً كَالخَلِّ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ نِتَاجِ الأسلوبِ!

وَمِنَ الفِطْنَةِ أَلَّا نُعَامِلَ جَمِيعَ النَّاسِ بِأُسْلُوبٍ وَاحِدٍ جَامِدٍ؛ فَكَمَا قِيلَ: “لَيْسَ كُلُّ مَرِيضٍ يُدَاوَى بِذَاتِ الدَّوَاءِ”. كَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ مَنَازِلِ النَّاسِ لا تُقَاسُ بِعَدَدِ السَّنِينِ والأَعْوَامِ، بَلْ تُقَاسُ بِمَوَاقِفِهِمْ وَجَمَالِ تَعَامُلِهِمْ. وكُلُّنَا نُؤْمِنُ بِالمَثَلِ الشَّعْبِيِّ الحَكِيمِ: “المَلَافِظْ سَعْد”، وأَسَاسُ هَذَا السَّعْدِ هُوَ التَّعْبِيرُ الرَّاقِي.

وَنَخْلُصُ مَعَاً إِلَى أَنَّ “الجَمَالَ يَخْطَفُ العَيْنَ، لَكِنَّ الأُسْلُوبَ يَخْطَفُ القَلْبَ”. نَعَمْ، إِنَّهَا الكَلِمَاتُ؛ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَجْبَرَةً لِلخَوَاطِرِ فَتَنْشُرَ الإِيجَابِيَّةَ، أَوْ كَاسِرَةً لَهَا فَتُورِثَ السِّلْبِيَّةَ والأَلَمَ.

وخِتَامَاً.. لَوْ كَانَ الأُسْلُوبُ سِلْعَةً تُبَاعُ فِي الأَسْوَاقِ، لَاشْتَرَيْتُهُ لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى نَفَقَتِي الخَاصَّةِ!

صدى نيوز اس 1

Related Posts

المربي بين إخلاص الرسالة وصمامات الأمان في المحضن التربوي

  بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه في ميدان التربية، لا تقاس قيمة العمل بكثرة البرامج والأنشطة، ولا بعدد المبادرات والمشاركات، وإنما بما تحمله الرسالة التربوية من إخلاص، وما تقوم عليه من وعي وخبرة وأنظمة تحفظ للمحضن التربوي استقراره واستمراره. وبحكم عملي في مجال التوجيه الطلابي قرابة ثلاثين عامًا، وما أتاحته لي هذه السنوات من معايشة للميدان التربوي والطلاب والمربين، إلى جانب الاطلاع المستمر على…

بيئة العرضيات ينفذ ورشة عمل حول تقليم الأشجار بعد الإثمار

  د. منصور نظام الدين :العرضيات:- نفذ مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بمحافظة العرضيات، ممثلًا بقسم القطاع غير الربحي والحلول الزراعية، ورشة عمل بعنوان «تقليم الأشجار بعد الإثمار»، وذلك في مزرعة المزارع إبراهيم المنتشري، بهدف تعزيز الممارسات الزراعية السليمة ورفع مستوى الوعي لدى المزارعين حول الأساليب المناسبة للعناية بالأشجار بعد انتهاء موسم الإثمار. وتناولت الورشة أهمية إجراء التقليم في التوقيت المناسب، ودوره في إزالة الأفرع الجافة…

لقد فاتك ذلك

«بيئة رابغ» تنفذ مبادرة لتشجير المركز الصحي بالمرجانية وتعزيز جودة الحياة

«بيئة رابغ» تنفذ مبادرة لتشجير المركز الصحي بالمرجانية وتعزيز جودة الحياة

‏بيئة مكة تنفذ 45 جولة رقابية على مرافئ الصيد وترصد 4 مخالفات خلال أغسطس

‏بيئة مكة تنفذ 45 جولة رقابية على مرافئ الصيد وترصد 4 مخالفات خلال أغسطس

اختتام مسابقة ستارت سمارت في نسختها التاسعة بإعلان الفائزين من 1,000 متقدم

اختتام مسابقة ستارت سمارت في نسختها التاسعة بإعلان الفائزين من 1,000 متقدم

أندية الحي.. حين تتحول المدرسة إلى مساحة حياة

أندية الحي.. حين تتحول المدرسة إلى مساحة حياة

المربي بين إخلاص الرسالة وصمامات الأمان في المحضن التربوي

المربي بين إخلاص الرسالة وصمامات الأمان في المحضن التربوي

اجتماع تنسيقي بين “مركز الغطاء النباتي” وهيئات تطوير المحميات الملكية

اجتماع تنسيقي بين “مركز الغطاء النباتي” وهيئات تطوير المحميات الملكية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode