المربي بين إخلاص الرسالة وصمامات الأمان في المحضن التربوي

 

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه

في ميدان التربية، لا تقاس قيمة العمل بكثرة البرامج والأنشطة، ولا بعدد المبادرات والمشاركات، وإنما بما تحمله الرسالة التربوية من إخلاص، وما تقوم عليه من وعي وخبرة وأنظمة تحفظ للمحضن التربوي استقراره واستمراره.

وبحكم عملي في مجال التوجيه الطلابي قرابة ثلاثين عامًا، وما أتاحته لي هذه السنوات من معايشة للميدان التربوي والطلاب والمربين، إلى جانب الاطلاع المستمر على ما يُنشر في المواقع والمصادر المتخصصة في التربية، وجدت أن هناك قضيتين تستحقان التأمل: إخلاص المربي في عمله، وصمامات الأمان التي تحمي المحضن التربوي.

أولًا: أيها المربي… تعمل لمن؟

هذا السؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه من أعمق الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها المربي على نفسه:

هل أعمل لله، أم أعمل ليقال: هذا مربٍّ ناجح؟

هل يهمني أن يعرف الناس جهودي؟

هل أبحث عن ثناء الآخرين ومدحهم؟

هل أحرص أن يُنسب النجاح إليّ؟

وهل يضايقني أن ينجح طالب على يد مربي آخر؟

إن التربية من أجلّ الأعمال وأعظمها أثرًا، لكن قيمة الجهد التربوي لا تكمن في كثرة ما يبذله المربي فقط، بل فيما يصاحب ذلك من إخلاص لله تعالى.

 

قال الله تعالى:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

 

وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه:

«أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» رواه مسلم.

 

وقد يبدأ المربي عمله مخلصًا، ثم تتسلل إلى النفس شيئًا فشيئًا رغبة في الظهور وحب الشهرة والتعلق بثناء الناس، حتى يصبح نجاحه مرتبطًا بذكر اسمه ونسبة الفضل إليه.

لكن المربي المخلص ينظر إلى الأمر بصورة مختلفة؛ فهو يفرح بنجاح الطالب ولو لم يُذكر اسمه، ويسعد عندما يرى مربيًا آخر ينجح، ولا يشترط أن يكون دائمًا في مقدمة المشهد.

كيف أراجع نيتي؟

ليست القضية أن يكره المربي ثناء الناس أو محبة الطلاب، فهذه أمور قد تأتي تبعًا للعمل، وإنما الخطر عندما يتحول الثناء من أثر تابع إلى غاية يسعى إليها المربي.

ومن الأسئلة التي تستحق أن يطرحها المربي على نفسه:

1. لو لم يعرف أحد أنني فعلت هذا العمل، هل سأفعله؟

2. لو كان نجاح الطالب على يد مربي آخر، هل سأفرح؟

3. لو لم يشكرني أحد، هل سأستمر في عطائي؟

4. هل أفرح بنجاح الرسالة أم أبحث عن بروز اسمي؟

هذه الأسئلة ليست للحكم على الآخرين، وإنما هي وقفة مع النفس وتجديد للنية.

فقد تنتهي البرامج، ويتغير الطلاب، وتُنسى الأسماء، وتبقى الأعمال التي أُريد بها وجه الله.

ليس المهم أن يعرف الناس أنك صنعت شيئًا عظيمًا، بل المهم أن يكون الله قد قبله منك.

والمربي المخلص لا يبحث عن أن يكون هو البطل في قصة الطالب، وإنما يبحث عن أن يرى الطالب ناجحًا مستقيمًا نافعًا، ولو لم يعرف أحد أن له يدًا في ذلك.

ثانيًا: صمامات الأمان في المحضن التربوي

المحضن التربوي ليس مجرد مكان يجتمع فيه الطلاب والمربون، بل هو بيئة متكاملة تحتاج إلى أنظمة وضوابط وخبرات تحميها من الاضطراب الإداري والأخطاء التربوية والانحراف الفكري، وتساعدها على الاستمرار والنمو.

ومن خلال التجربة الميدانية، يمكن الإشارة إلى عدد من صمامات الأمان المهمة في المحاضن التربوية:

1. التصاريح والأنظمة الرسمية

الالتزام بالأنظمة والتصاريح الرسمية يمنح المحضن التربوي الاستقرار، ويحميه من الإشكالات والمساءلة، ويهيئ له بيئة آمنة ومنظمة لأداء رسالته.

2. وضوح السلم الإداري والصلاحيات

كلما كانت المسؤوليات والصلاحيات واضحة، عرف كل شخص دوره والجهة التي يرجع إليها، وقلت التدخلات وتداخل الاختصاصات، وأصبحت المسؤولية والمحاسبة أكثر وضوحًا.

3. استقرار البيئة التربوية

التربية تحتاج إلى بيئة مستقرة وهادئة. أما كثرة التغييرات والخلافات واضطراب الأنظمة فتستنزف طاقة المربين والمتربين وتصرفهم عن الهدف الأساسي.

ط

كلما استقرت البيئة، نضج العمل التربوي.

4. وجود مربين ناجحين ومربٍ خبير

 

من أهم عناصر القوة أن يجتمع في المحضن مربون ناجحون، وأن يكون بينهم مربٍ خبير يستفيد منه الآخرون.

فالمربي المبتدئ لا يحتاج إلى المعلومات النظرية وحدها، بل يحتاج إلى أن يرى التربية الناجحة ممارسةً وسلوكًا ومواقف.

 

والخبرة المتراكمة تختصر كثيرًا من الأخطاء، وتفتح للمربين الجدد أبوابًا واسعة للتعلم والنمو.

5. جلسة العمل الدورية

العمل التربوي الجماعي يحتاج إلى اجتماع دوري يجمع الإدارة والمربين؛ لمراجعة العمل، ومناقشة التحديات، وتصحيح الأخطاء، وتبادل الخبرات، ومتابعة الحالات التربوية.

فلا ينبغي أن يعمل كل مربٍ بمعزل عن بقية الفريق.

 

6. الزاد التربوي المستمر

المربي الذي يتوقف عن التعلم معرض لتراجع أدواته.

ولهذا يحتاج المربي إلى قراءة مستمرة، وتدريب، وتبادل خبرات، واطلاع على المستجدات التربوية؛ حتى تتجدد أدواته وتتطور قدرته على فهم الطلاب والتعامل الجماع

7. القرارات الجماعي

القرارات المهمة لا ينبغي أن تقوم دائمًا على اجتهاد فرد واحد، وإنما تستفيد من آراء المربين وأهل الخبرة.

 

المشاورة لا تلغي مسؤولية صاحب القرار، لكنها تجعل القرار أكثر نضجًا واتزانًا.

 

8. الارتباط بالعلماء الراسخي

من أسباب ثبات المحضن على الحق الرجوع إلى العلماء الراسخين الموثوقين فيما يشكل من المسائل العلمية والمنهجية.

 

فالمرجعية العلمية تساعد على ضبط المنهج، وتحد من الانفراد بالرأي، وتحمي المربين من الاجتهاد في غير موضعه.

9. بناء المناعة الفكري

لا يكفي أن نحذر الطلاب من الأفكار المنحرفة أو الغالية، بل الأهم أن نبني لديهم مناعة فكرية تجعلهم أكثر قدرة على التمييز والحوار وفهم الأفكار.

ويكون ذلك بالتعليم، والحوار، وتعزيز التفكير الصحيح، ومعالجة الأفكار الخاطئة بالعلم والحكمة، مع الانتباه إلى ما قد يصل إلى الطلاب عبر الأشخاص ووسائل التواصل الحديثة.

10. إعداد الصف الثاني من المربين

من أخطر نقاط الضعف في أي محضن تربوي أن يرتبط نجاحه بعدد محدود من الأشخاص.

ولهذا ينبغي أن يبدأ المحضن مبكرًا في إعداد جيل جديد من المربين، إعدادًا علميًا وتربويًا متدرجًا.

فلا يُلقى بالمربي الجديد مباشرة في الميدان، بل يبدأ بالملاحظة والمشاركة والتدريب، ويستفيد من أصحاب الخبرة، ثم ينتقل تدريجيًا إلى تحمل المسؤولية.

فالمحضن الذي لا يبني صفًا ثانيًا من المربين يبقى معرضًا للتوقف عند غياب بعض عناصره الأساسية، بينما المحضن الذي يصنع المربين وينقل إليهم الخبرة يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار والتجدد.

التربية رسالة قبل أن تكون مهن

إن إخلاص المربي وصلاح البيئة التربوية وجهان لرسالة واحدة.

فالمحضن يحتاج إلى نظام يحميه، وإدارة تضبطه، وبيئة مستقرة تحتضن التربية، ومربين يتطورون، وخبرة تنتقل، ومرجعية علمية تضبط المنهج، ووعي يحمي الطلاب، وصف ثانٍ يضمن استمرار المسيرة.

وفي المقابل، يبقى قلب المربي هو نقطة البداية؛ فإذا صلحت النية، وأصبح هدفه خدمة الطالب وبناء شخصيته وإعانته على النجاح والاستقامة، كان أثره أعمق وأبقى.

وبعد قرابة ثلاثين عامًا في الميدان التربوي والتوجيه الطلابي، أجد أن أجمل ما يمكن أن يصل إليه المربي ليس أن يقال عنه: كان أشهر المربين، أو أكثرهم ظهورًا، أو أكثرهم حصولًا على الثناء، وإنما أن يقال:

مرّ من هنا مربٍ ترك أثرًا طيبًا في نفوس طلابه، ولم يكن يبحث عن الأضواء، بل كان يبحث عن الأثر.

فالأسماء قد تُنسى، والبرامج قد تنتهي، والصور قد تغيب، لكن الأثر الصادق يبقى.

وهنا تتجلى حقيقة التربية:

أن تصنع إنسانًا صالحًا ونافعًا، ثم تفرح بنجاحه ولو لم يعرف أحد أنك كنت أحد أسباب نجاحه.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

بيئة العرضيات ينفذ ورشة عمل حول تقليم الأشجار بعد الإثمار

  د. منصور نظام الدين :العرضيات:- نفذ مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بمحافظة العرضيات، ممثلًا بقسم القطاع غير الربحي والحلول الزراعية، ورشة عمل بعنوان «تقليم الأشجار بعد الإثمار»، وذلك في مزرعة المزارع إبراهيم المنتشري، بهدف تعزيز الممارسات الزراعية السليمة ورفع مستوى الوعي لدى المزارعين حول الأساليب المناسبة للعناية بالأشجار بعد انتهاء موسم الإثمار. وتناولت الورشة أهمية إجراء التقليم في التوقيت المناسب، ودوره في إزالة الأفرع الجافة…

عندما ينتصر الأمل على الألم

عبدالله شراحيلي ليس الألم دائمًا عدوًّا يأتي ليهزمنا؛ أحيانًا يأتي ليعيد ترتيب أرواحنا، ويكشف لنا ما كنا نجهله عن أنفسنا. يطرق أبواب القلب بلا استئذان، ويقيم فيه أيامًا ثقيلة، حتى نظن أن الفرح قد نسي الطريق إلينا. لكن الإنسان، مهما أثقلته الحياة، يملك في أعماقه شيئًا عجيبًا لا ينكسر بسهولة: الأمل. الأمل ليس أن تتجاهل وجعك، ولا أن تتظاهر بأن كل شيء بخير، وإنما أن تنظر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

اختتام مسابقة ستارت سمارت في نسختها التاسعة بإعلان الفائزين من 1,000 متقدم

اختتام مسابقة ستارت سمارت في نسختها التاسعة بإعلان الفائزين من 1,000 متقدم

أندية الحي.. حين تتحول المدرسة إلى مساحة حياة

أندية الحي.. حين تتحول المدرسة إلى مساحة حياة

المربي بين إخلاص الرسالة وصمامات الأمان في المحضن التربوي

المربي بين إخلاص الرسالة وصمامات الأمان في المحضن التربوي

اجتماع تنسيقي بين “مركز الغطاء النباتي” وهيئات تطوير المحميات الملكية

اجتماع تنسيقي بين “مركز الغطاء النباتي” وهيئات تطوير المحميات الملكية

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره جازان تودع السيدة عائشة أحمد رفاعي

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره جازان تودع السيدة عائشة أحمد رفاعي

أمير الباحة يرعى توقيع 9 اتفاقيات شراكة بأكثر من 25 مليون ريال

أمير الباحة يرعى توقيع 9 اتفاقيات شراكة بأكثر من 25 مليون ريال

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode