(( نظام الطيبات في قفص الاتهام )) … هل هو باليو مطور

 

 

 

 

✍️ عرفات العلي – جازان

 

في عالم التغذية المعاصر حيث تتصارع النظريات وتتضارب الدراسات تتحول المائدة إلى ساحة معركة لا تقل ضراوة عن ساحات السياسة ومن بين هذه المعارك برز نظامان أثارا الكثير من الصخب الفكري والاجتماعي وهما (( نظام الباليو العالمي ونظام الطيبات )) الذي اجتاح الفضاء الرقمي العربي مؤخرا وبينما كنت أتقصى في تاريخ الأنظمة الغذائية العالمية وأبحث في تواريخها شدني ما اكتشفته من تشابه جذري وفلسفي يربط بين النظامين فكلاهما يقوم على فكرة العودة إلى الماضي واستلهام الحكمة من أنماط حياة الأسلاف حين كانت الفطرة هي الدليل الأول في اختيار الغذاء بعيدا عن تعقيدات الصناعة الحديثة لدرجة جعلتني اطرح تساؤلا جوهريا لنفسي مما وضع نظام الطيبات في قفص الاتهام حينها … هل هو باليو مطور ؟!!

أم أننا أمام حالة فريدة تتجاوز مجرد التشابه في قوائم الممنوعات والمسموحات.

 

تعود جذور (( الباليو أو نظام العصر الحجري إلى السبعينيات )) حين بدأ الدكتور والتر فويتلين طرح (( فرضية العودة إلى الجذور الغذائية )) قبل أن يمنحه الدكتور لورين كوردين صك الشهرة العالمي في كتابه الشهير (( The Paleo Diet )) الصادر عام 2002 قامت فلسفة الباليو على محاكاة النمط البيولوجي لأسلافنا في العصر الحجري عبر تناول اللحوم والأسماك والفواكه والخضروات مقابل إقصاء قسري للبقوليات والحبوب والألبان والأطعمة المصنعة لكن هذا النظام لم يسلم من نيران النقد إذ قوبل بسخرية لاذعة من الأوساط الأكاديمية التي وصفته بالموضة غير العلمية ووصل ذروة هذا الهجوم في عام 2014 حين صنفت (( مجلة يو اس نيوز آند وورلد ريبورت )) النظام في ذيل قائمة أفضل الأنظمة الغذائية معتبرة إياه تبسيطا مخلا للتطور البشري.

 

وعلى الضفة الأخرى ظهر نظام الطيبات كحالة فريدة تتكئ على مرجعية روحية وثقافية مستمدة من القرآن والسنة مما يجعله نمطا مرتبطا بالهوية وهنا تبرز المقارنة فالنظامان يلتقيان في وجه شبه جوهري يتمثل في رفضهما القاطع للأطعمة المصنعة والمكررة والزيوت المهدرجة واعتمادهما على المنتجات الطبيعية غير المعالجة لكنهما يختلفان جذريا في المرجعية فالباليو يستند إلى التفسير التطوري والبيولوجي بينما يستمد الطيبات مشروعيته من المفهوم القيمي والديني لطيبات الطعام.

 

كانت المحطة الأكثر إثارة للجدل مع الدكتور ضياء صاحب نظام الطيبات الذي خاض معركته بأسلوب استقصائي ومختلف فلم يكتف بالجانب الصحي بل قدم مرافعة تستند إلى النصوص الدينية في كل تفصيل ومن المهم التنويه هنا إلى نقطة جوهرية في نهجه وهي أن ضياء لم يطلب يوما من مرضاه التوقف المباشر عن أدويتهم كم يشاع من خصومه بل كان يرى أن الالتزام ببرنامج الطيبات سيؤدي بالضرورة إلى تحسن الحالة الصحية مما يضطر الطبيب المعالج تلقائيا إلى تخفيف الجرعات وصولا إلى التخلي عنها تماما .

وفي حين أن مبتكري الأنظمة الغربية ككوردين دخلوا في سجالات أكاديمية مع معارضيهم اتخذ ضياء مسارا مغايرا فقد طالب مرارا وتكرارا بمناظرات مباشرة وعامة إلا أن المثير للريبة أن أيا من خصومه لم يتقدم لمواجهته علانية مما حول النقاش من صراع أفكار إلى حالة من الاستقطاب الحاد.

 

لم تنته القصة برحيل ضياء بل كانت وفاته نقطة تحول مفصلية أشعلت حربا إعلامية وإلكترونية تجاوزت حدود الجدل الصحي لتصبح ظاهرة اجتماعية تتقاذفها الآراء فقد كشفت هذه الحرب أن الطيبات نجح في لمس وتر حساس في الوعي المجتمعي وباتت شخصية ضياء ومصير أطروحته محط تساؤلات لا تهدأ .

 

وفي الختام وبينما تتعدد الأنظمة الغذائية التي تثير الزوابع يبقى الطيبات الأكثر سخونة لا لكونه نظاما غذائيا فحسب بل لكونه سؤالا مفتوحا حول علاقة الإنسان ببدنه ومصادر طعامه في عالم تحكمه المصالح والصناعات الغذائية الكبرى وبينما نواصل نحن التقصي والبحث تبقى الأيام حبلى بالمفاجآت التي قد تعيد رسم خريطة مفاهيمنا عما نأكله وكيف نحيا.

صدى نيوز إس 3

Related Posts

من الأرشيف… ويستحق الإعادة

بقلم: الإعلامي/ خضران الزهراني ليست كل الأخبار تنتهي بانتهاء يوم نشرها، ولا كل الأحداث تُطوى صفحاتها مع مرور الزمن؛ فهناك مواقف صنعت الوعي، وإنجازات كتبت التاريخ، ورجالٌ تركوا بصماتٍ لا تمحوها السنوات. تلك الأعمال لا تُقاس بتاريخ نشرها، بل بقيمتها وأثرها في النفوس، ولذلك فإنها تستحق أن تعود إلى الواجهة كلما دعت الحاجة إلى استحضار القدوة، وتوثيق الإنجاز، وإحياء الذاكرة الوطنية. إن الأرشيف ليس مستودعًا للأوراق…

من “الطلاق” إلى “الانفصال”، ومن “الزوج” إلى “الشريك”.. من يقف خلف هذه البدائل؟

  ✍️ محمد فريح الحارثي ‏لواء متقاعد حين نتفقد مفردات لغتنا اليومية، نلاحظ كيف تتغير تعبيراتنا. وحدها القضايا الكبرى تبقى، لكنها تستبدل كل فترة بمصطلحات عصرية، لتبدو أخف وزناً وأكثر قبولاً في وجوهنا. في المجالس اليومية، وتحديداً عند الحديث عن تفكك الأسر وانتهاء الحياة الزوجية، نكاد لا نسمع الكلمة المعتادة “الطلاق”. لقد تراجعت هذه الكلمة ليحل محلها مصطلح آخر يبدو أكثر هدوءاً: “الانفصال”. وفي الجانب المقابل،…

لقد فاتك ذلك

لأول مرة في تعليم الطائف افتتاح مدرستين للطلبة الموهوبين بمختلف المراحل الدراسية  

لأول مرة في تعليم الطائف افتتاح مدرستين للطلبة الموهوبين بمختلف المراحل الدراسية  

من الأرشيف… ويستحق الإعادة

من الأرشيف… ويستحق الإعادة

من “الطلاق” إلى “الانفصال”، ومن “الزوج” إلى “الشريك”.. من يقف خلف هذه البدائل؟

من “الطلاق” إلى “الانفصال”، ومن “الزوج” إلى “الشريك”.. من يقف خلف هذه البدائل؟

الاتحاد يعلن نجاح عملية الرباط الصليبي لحامد الغامدي

الاتحاد يعلن نجاح عملية الرباط الصليبي لحامد الغامدي

القادسية يتصدر 47 نادٍ ويتوج بـ4 كؤوس للمركز الأول في بطولة المملكة للسباحة

القادسية يتصدر 47 نادٍ ويتوج بـ4 كؤوس للمركز الأول في بطولة المملكة للسباحة

«بيئة مكة» تبحث مع هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة تعزيز التعاون في القطاع الزراعي

«بيئة مكة» تبحث مع هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة تعزيز التعاون في القطاع الزراعي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode