عندما يتحول الجدل إلى وقود الشهرة… هل فقدنا معنى المحتوى؟

 

بقلم أحمد علي بكري

في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات الصغيرة تتحكم في إيقاع الحياة اليومية لم يعد المحتوى الرقمي مجرد وسيلة لنقل المعرفة أو مشاركة الخبرات أو حتى الترفيه، بل تحول إلى ساحة تنافس شرسة تتصارع فيها الأفكار والصور والانفعالات من أجل شيء واحد فقط: جذب الانتباه. وفي خضم هذا السباق المحموم برزت ظاهرة خطيرة تتسع رقعتها يومًا بعد يوم، وهي صناعة الجدل بوصفه سلعة رقمية مربحة، حتى باتت الشهرة في كثير من الأحيان لا تُبنى على جودة الفكرة أو قيمة الطرح، بل على حجم الصدمة التي يحدثها المحتوى وقدرته على إشعال النقاشات واستفزاز الجمهور. أصبح السؤال الذي يحكم المشهد اليوم ليس: ماذا قدم هذا الشخص؟ بل: كم شخصًا أغضب؟ وكم نقاشًا أشعل؟ وكم مرة ذُكر اسمه خلال الساعات الماضية؟

لقد شهدت البيئة الرقمية تحولًا جذريًا في معايير النجاح. فبعد أن كان صانع المحتوى يسعى إلى بناء جمهور من خلال المعرفة أو الموهبة أو الخبرة، أصبح بعضهم يدرك أن الطريق الأسرع إلى الانتشار يمر عبر بوابة الاستفزاز. يكفي أن يطلق أحدهم تصريحًا صادمًا أو رأيًا متطرفًا أو فكرة مثيرة للانقسام حتى تبدأ عجلة الخوارزميات بالدوران، فتنهال التعليقات وتتوالى المشاركات وتتصاعد ردود الفعل، وفي غضون ساعات يتحول المحتوى إلى حديث الناس. المفارقة المؤلمة أن المنصات لا تميز كثيرًا بين التفاعل الإيجابي والتفاعل السلبي، فالغضب بالنسبة للخوارزمية رقم، والسخرية رقم، والجدال رقم، والشتائم رقم، وكلها تصب في النتيجة نفسها: المزيد من الانتشار.

ومن هنا نشأت معادلة جديدة وخطيرة في عالم التواصل الاجتماعي؛ كلما كان المحتوى أكثر إثارة للانقسام كان أكثر قابلية للانتشار. ومع مرور الوقت بدأ بعض صناع المحتوى في إعادة تشكيل أساليبهم بما يتناسب مع هذه المعادلة، فأصبحت الصدمة هدفًا بحد ذاتها، وتحول الجدل من نتيجة طبيعية للنقاش إلى منتج يتم تصنيعه بعناية. لم يعد بعضهم يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن رد الفعل، ولم يعد الهدف إقناع الجمهور بقدر ما أصبح الهدف استثارة الجمهور. وهكذا ظهر جيل من المؤثرين الذين يتغذون على الاستفزاز كما تتغذى النار على الوقود، يدركون أن كل موجة غضب ستمنحهم دفعة جديدة من الشهرة، وأن كل هجوم عليهم قد يتحول إلى إعلان مجاني يزيد من حضورهم وتأثيرهم.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في هؤلاء وحدهم، بل في البيئة التي تسمح لهذه الظاهرة بالازدهار. فالجمهور نفسه أصبح جزءًا من المنظومة دون أن يشعر. كثير من المستخدمين يدخلون في معارك رقمية طويلة دفاعًا عن رأي أو هجومًا على رأي آخر، معتقدين أنهم يقاومون المحتوى المستفز، بينما هم في الواقع يساهمون في رفعه وإيصاله إلى عدد أكبر من الناس. وهكذا يصبح الغاضب شريكًا في نجاح من أغضبه، ويصبح الرافض أحد أسباب انتشار ما يرفضه. إنها مفارقة رقمية عجيبة تجعل من الاستفزاز استثمارًا مضمون العوائد.

ومع الوقت لا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على طبيعة المحتوى فقط، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع بأكمله. فحين يعتاد الناس على استهلاك المحتوى المثير للغضب بشكل يومي تبدأ طريقة تفكيرهم بالتغير تدريجيًا. تصبح الآراء الحادة أكثر جاذبية من الآراء المتوازنة، وتصبح المواقف المتطرفة أكثر حضورًا من المواقف العقلانية، ويتراجع الحوار الهادئ أمام ضجيج المواجهة المستمرة. ينشأ جيل يتقن الرد أكثر مما يتقن الإنصات، ويجيد الانتصار في الجدل أكثر مما يجيد البحث عن الحقيقة. وفي بيئة كهذه يصبح الاختلاف الطبيعي خصومة، ويصبح النقاش معركة، وتتحول المنصات من فضاءات للتواصل إلى ساحات استقطاب دائم.

إن أخطر ما في هذا المشهد أنه يخلق وهمًا جماعيًا بأن الأكثر ظهورًا هو الأكثر أهمية، بينما الحقيقة أن الظهور لا يعني القيمة بالضرورة. فكم من فكرة سطحية حصدت ملايين المشاهدات لأنها صادمة، وكم من فكرة عميقة ضاعت في الزحام لأنها لم تكن مثيرة بما يكفي. لقد أصبحت معايير التقييم مختلة إلى حد كبير، وأصبح عدد المشاهدات أحيانًا أقوى من جودة المحتوى، وأصبحت القدرة على إثارة الجدل مهارة تسويقية تتفوق على القدرة على تقديم المعرفة.

وفي ظل هذه الفوضى الرقمية يتراجع المحتوى الرصين شيئًا فشيئًا. فصانع المحتوى الجاد الذي يقضي أيامًا أو أسابيع في إعداد مادة معرفية متقنة يجد نفسه ينافس محتوى لا يحتاج سوى دقائق من الاستفزاز لتحقيق أضعاف الانتشار. ومع استمرار هذا الواقع يشعر كثير من المبدعين الحقيقيين بالإحباط، لأن السوق الرقمية باتت تكافئ الصخب أكثر مما تكافئ الجهد، وتحتفي بالضجة أكثر مما تحتفي بالفكرة. وهنا تبدأ خسارة المجتمعات لأحد أهم مواردها: العقول القادرة على البناء والإثراء والتنوير.

ولعل المشكلة الأعمق أن الاعتياد على هذا النوع من المحتوى يؤدي إلى ما يمكن وصفه بتآكل الحس النقدي. فالمستخدم الذي يتعرض يوميًا لسيل من العناوين المستفزة والمقاطع المثيرة للجدل يفقد تدريجيًا القدرة على التمييز بين المهم والتافه، وبين الحقيقة والإثارة، وبين النقاش الفكري الحقيقي والاستعراض الإعلامي المصمم لجذب الانتباه. ومع الوقت يصبح العقل أسيرًا للانفعال اللحظي، ويصبح التفكير الهادئ عملية نادرة في عالم تحكمه السرعة وردود الأفعال الفورية.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من المسؤول فقط، بل كيف يمكن الخروج من هذه الدائرة؟ هل اللوم يقع على صناع المحتوى الذين اكتشفوا قواعد اللعبة واستغلوها؟ أم على المنصات التي صممت خوارزميات تكافئ التفاعل مهما كانت طبيعته؟ أم على الجمهور الذي يمنح هذا التفاعل قيمته؟ الحقيقة أن المسؤولية موزعة بين الجميع، لكن الحلقة الأكثر تأثيرًا تبقى المستخدم نفسه. فكل ضغطة إعجاب، وكل مشاركة، وكل تعليق هي تصويت غير مباشر على نوع المحتوى الذي نريد أن يسود. وما دام الجمهور يكافئ الجدل الفارغ بالاهتمام المستمر فسيظل هناك من يصنعه ويستثمر فيه.

إن مقاومة هذه الظاهرة لا تبدأ من المنصات الكبرى ولا من المؤثرين المشاهير، بل تبدأ من وعي الفرد. تبدأ حين نتوقف عن مكافأة الاستفزاز لمجرد أنه استفزاز، وحين نمنح انتباهنا للمحتوى الذي يضيف إلى عقولنا بدلًا من المحتوى الذي يستنزف أعصابنا. تبدأ حين ندرك أن أثمن مورد نملكه في العصر الرقمي ليس المال ولا الوقت فحسب، بل الانتباه نفسه، وأن كل ثانية نمنحها لمحتوى ما هي دعم مباشر لاستمراره وانتشاره.

وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل مستخدم للشبكات الاجتماعية: هل نريد فضاءً رقميًا يصنع المعرفة ويثري العقول ويشجع الحوار الراقي؟ أم نريد عالمًا تحكمه الضوضاء، يتصدره الأكثر استفزازًا لا الأكثر فائدة، ويُكافأ فيه من يشعل الحرائق أكثر ممن يضيء الطريق؟ إن مستقبل المحتوى لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل سيحدده أيضًا ما نختار نحن أن نشاهده، وما نقرر أن نمنحه من اهتمام، لأن الشهرة في النهاية ليست إلا انعكاسًا لما يختاره الجمهور أن يرفع صوته له.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

ترانيم الشموخ: من ابنة جازان إلى وطن المجد

    نوال العمودي – جازان   من ثغر الجنوب الباسم، من أرض جازان التي عانقت جبالها الغيم وسجدت شواطئها طهراً لرب العباد، أرفع صوتي ترانيم شموخ وولاء. أنا ابنة النخل والفل، سليلة المجد والشهامة، من نبتت عروقها في ثرى هذه الأرض المباركة، وتغذت روحها على كبرياء الراية الخضراء لا إله إلا الله محمد رسول الله.   إليك يا وطني العظيم، يا مملكة العز والمعالي، أزف…

ما لا يعرفه الآخرون عنك

  كاتبة رأي ايمان المغربي ليس كل ما نراه في الآخرين يعبر عن حقيقتهم كاملة فلكل إنسان جوانب لا تظهر في حديثه ولا تكشفها مواقفه اليومية قد نعرف شخصاً لسنوات ونظن أننا أحطنا به معرفة بينما تبقى لديه تجارب وأفكار وقدرات لم تتح له الفرصة ليشاركها مع الآخرين. بعض الناس يحملون خبرات طويلة لا يتحدثون عنها وبعضهم يمتلك قدرات لم يجد الفرصة المناسبة لإظهارها وآخرون مروا…

لقد فاتك ذلك

ترانيم الشموخ: من ابنة جازان إلى وطن المجد

ترانيم الشموخ: من ابنة جازان إلى وطن المجد

أمير جازان يستقبل مدير فرع هيئة الصحفيين السعوديين بالمنطقة

أمير جازان يستقبل مدير فرع هيئة الصحفيين السعوديين بالمنطقة

«مرفأ» تختتم النسخة الثالثة من مشروع تأهيل المقبلين على الزواج بجازان

«مرفأ» تختتم النسخة الثالثة من مشروع تأهيل المقبلين على الزواج بجازان

جمعية صعوبات التعلّم تشارك بركن تعريفي بمناسبة اليوم العالمي للعلاج الوظيفي

جمعية صعوبات التعلّم تشارك بركن تعريفي بمناسبة اليوم العالمي للعلاج الوظيفي

فضل شاكر يلتقي جمهوره في جدة بحفل غنائي بمشاركة نجله محمد (5 ) نوفمبر المقبل

فضل شاكر يلتقي جمهوره في جدة بحفل غنائي بمشاركة نجله محمد (5 ) نوفمبر المقبل

الحصان الأصفر يتزحزح من مكانه رغم اجتماع الفيدرالي.. هل بدأت الانطلاقة بعد الهبوط المؤقت؟

الحصان الأصفر يتزحزح من مكانه رغم اجتماع الفيدرالي.. هل بدأت الانطلاقة بعد الهبوط المؤقت؟

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode