نحن نحتفي بهم كل يوم أحياءً وأموات.. حق الوالدين أكبر من يوم عالمي

✍️محمد فريح الحارثي

لواء متقاعد.

تنشط منصات التواصل الاجتماعي، وتتزين واجهات الإعلانات هذه الأيام بمظاهر الاحتفاء بـ “يوم الأب العالمي”، وقبله بأسابيع كان الاحتفاء بـ “يوم الأم”. وهي بلا شك لفتة إنسانية جميلة في عالم مادي متسارع، يعيد تذكير الإنسان المعاصر بجذوره، ويمنحه فرصة ليقول “شكراً” لمن بذلوا العمر لأجله، ويشعل شمعة أمل في مجتمعات قد أشغلتهم عن والديهم مشاغل الحياة.

لكن، بالنسبة لنا كأمة تنتمي لرسالة محمد ﷺ، فإن المشهد يتخذ أبعاداً وعمقاً يختلف تماماً عن فكرة “المناسبة العالمية”. نحن لا ننتظر تاريخاً على التقويم لنشتري وردة أو نكتب بطاقة معايدة؛ فالبر في ثقافتنا وعقيدتنا هو ممارسة يومية، دائمة بدوام الأنفاس، ولا يمكن اختزاله في أربع وعشرين ساعة.

*المقام الأسمى: مكانة لم تبلغها الحضارة*

إن المتأمل في النص القرآني يلحظ أمراً مهيباً؛ فالله عز وجل لم يقرن طاعته وعبادته بـأي أمر دنيوي آخر كما قرنها ببر الوالدين. إنه تلازم يرفع قدر الأب والأم إلى مرتبة الوجوب اليومي. يقول الحق تبارك وتعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].

وفي آية أخرى، يربط الخالق شكره بشكرهما في ذات السياق: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].

هذا الربط المحكم يعلم المسلم أن رضاهما جزء لا يتجزأ من رصيده الإيماني اليومي. نحن أمام وصية مستمرة ومتجددة مع كل صباح ومساء، وصية لخصها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا}.

*في مدرسة النبوة: أولوية الحقوق اليومية*

حين جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن أحق الناس بحسن صحابته، لم يحدد له وقتاً موسمياً، بل وضع له خارطة طريق للمشاعر والتعامل اليومي، فقال له: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ» (متفق عليه). هذا التكرار والثقل في التوجيه جعل من البيت محراباً يومياً للبر.

أما الأب، ذلك السند الصامت والعمود الذي يستند عليه البيت، فقد رفعه النبي ﷺ إلى أعلى مراتب الأجر، ووصفه بوصف يختصر قيمته وحجم بره، فقال عليه الصلاة والسلام: «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ» (رواه الترمذي). فكيف لمن يملك باباً للجنة في بيته أن يغلقه طوال العام ليفتحه يوماً الواحد فقط؟

*البر لا يموت.. حتى بعد رحيل الوالدين*

الجميل في المفهوم الإسلامي للوالدين، أنه لا ينتهي بانتهاء حياتهما الدنيوية. في الثقافات الأخرى، قد تنتهي المناسبة برحيل أحدهما، أما في منهجنا، فالاحتفاء مستمر حتى تحت يوم القيامة.

فالمسلم يستحضر والديه الراحلين في كل صلاة، ومع كل سجدة، يلهج بلسانه: {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}. هذا الدعاء اليومي، والصدقة الجارية، وصلة رحم الأب والأم بعد وفاتهما، هي امتداد لـ “يوم الأب والأم” الذي لا يعرف الانقطاع. نحن نعيش معهم وبهم، أحياءً في قلوبنا ودعواتنا كل يوم.

*ختاماً*

جميل هو الاحتفاء “باليوم العالمي” كخطوة لتنبيه الغافل، أو لإرساء قيمة في مجتمعات غابت عنها العلاقات الأسرية. لكننا، وفي كل مكان وزمان، نعيش هذا الاحتفال كممارسة يومية وفريضة دينية. فحق الأم والأب أكبر من أن يُختزل في قالب زمني ضيق؛ إنه استثمار للعمر، وحياة ممتدة، فالحمد لله على نعمة هذا الدين الذي جعل برنا بآبائنا عبادة نتقرب بها إلى الله صباحاً ومساءً، ليبقى البر عملاً نابضاً، لا مجرد ذكرى على تقويم يطويه النسيان.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

وصية ورسالة من عبدالله سعيد أبوهتان

بقلم/ خضران الزهراني في كلماتٍ صادقة تنبع من قلب أبٍ محب ومعلمٍ ناصح، جاءت وصية ورسالة الأستاذ عبدالله سعيد أبوهتان حاملةً بين طياتها أسمى معاني التوجيه والتربية، لتكون نبراسًا يهتدي به الأبناء في مسيرة حياتهم. فقد تضمنت رسالته العديد من القيم والمبادئ الأصيلة التي تدعو إلى التمسك بالدين، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والتحلي بالأخلاق الحميدة، واختيار الرفقة الصالحة، والابتعاد عن كل ما يضر الإنسان في دينه…

إنطلاقة موسم خريف ظفار

  بقلم: مزنة بنت سعيد البلوشية كاتبة عُمانية حين تعانق الطبيعةُ الفرحَ وتُروى الحكايات مع انطلاق موسم خريف ظفار، تبدأ الأرض حكايةً جديدة من الجمال والدهشة؛ حيث تتزين الجبال بالبساط الأخضر، وتنساب الضبابات بين السفوح كأنها لوحةٌ رسمتها الطبيعة بأجمل ألوانها. فخريف ظفار ليس مجرد فصلٍ من فصول السنة، بل موعدٌ ينتظره الجميع ليعيشوا أجواءً استثنائية تمتزج فيها روعة المكان مع دفء الإنسان. تفتح ظفار أبوابها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

عسير تواصل صعودها السياحي وتستهدف أكثر من 3 ملايين زائر

عسير تواصل صعودها السياحي وتستهدف أكثر من 3 ملايين زائر

أمسية «ثقافة العمل التطوعي» عبر الزوم… رؤية نحو مدينة فاضلة في نادي ملتقى المبدعين الثقافي

أمسية «ثقافة العمل التطوعي» عبر الزوم… رؤية نحو مدينة فاضلة في نادي ملتقى المبدعين الثقافي

وصية ورسالة من عبدالله سعيد أبوهتان

نحن نحتفي بهم كل يوم أحياءً وأموات.. حق الوالدين أكبر من يوم عالمي

نحن نحتفي بهم كل يوم أحياءً وأموات.. حق الوالدين أكبر من يوم عالمي

مشاريع واعدة ترسم ملامح المستقبل في معرض Visionary 2026 بجامعة دار الحكمة  

مشاريع واعدة ترسم ملامح المستقبل في معرض Visionary 2026 بجامعة دار الحكمة   

رئاسة الشؤون الدينية تُطلق الدورة العلمية الصيفية «البناء الفقهي والأصولي» في المسجد الحرام

رئاسة الشؤون الدينية تُطلق الدورة العلمية الصيفية «البناء الفقهي والأصولي» في المسجد الحرام

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode