الانتخابات… حين يسبق الوعي صناديق الاقتراع

بقلم: كمال فليج _ الجزائر

ليست الانتخابات مجرد يوم يتوجه فيه المواطن إلى صندوق الاقتراع، ثم يعود إلى تفاصيل حياته اليومية. إنها لحظة يختبر فيها المجتمع وعيه، وتُختبر فيها مصداقية الخطاب السياسي، كما تُختبر قدرة المرشحين على إقناع الناس بأنهم أهل للثقة، لا مجرد عابري موسم انتخابي.

لقد تغيّر المواطن كثيرًا. لم يعد ذلك الناخب الذي تستهويه الشعارات الكبيرة أو الكلمات المنمقة. سنوات من التجارب جعلته أكثر حرصًا في اختياراته، وأكثر ميلًا إلى من يتحدث بصدق، ويقدم برنامجًا واقعيًا، ويعرف حدود الممكن قبل أن يعد بالمستحيل.

فالمواطن لا يبحث عن منتخب يجيد الخطابة بقدر ما يبحث عن مسؤول يجيد الإنصات. يريد من يطرق أبوابه بعد الانتخابات كما طرقها قبلها، ومن يعتبر المنصب تكليفًا لخدمة الناس، لا وسيلة للوجاهة أو النفوذ. فالكرسي الذي تمنحه أصوات المواطنين لا يكتسب قيمته إلا بما يقدمه صاحبه من عمل، وما يتركه من أثر في حياة الناس.

وفي كل حملة انتخابية، تتزاحم البرامج والوعود، لكن التجربة أثبتت أن كثرة الوعود ليست معيارًا للنجاح، بل قد تكون عبئًا على صاحبها إن لم تتحول إلى إنجازات. لذلك، أصبح المواطن يقرأ ما بين السطور، ويبحث عن الواقعية أكثر من البلاغة، وعن الصدق أكثر من الإثارة، لأن الذاكرة الشعبية لا تحتفظ بما قيل في المنصات، بل بما تحقق على أرض الواقع.

ولعل الخطأ الأكبر الذي يقع فيه بعض المترشحين هو الاعتقاد بأن الفوز يعني نهاية المهمة، بينما الحقيقة أن المهمة تبدأ بعد إعلان النتائج. فالناخب لا يمنح صوته على سبيل المجاملة، وإنما يمنحه على أمل أن يجد من يدافع عن انشغالاته، ويقرب الإدارة من المواطن، ويكون صلة وصل حقيقية بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن ديمقراطية ناضجة من دون مواطن واعٍ يدرك أن صوته ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية. فاختيار الأشخاص على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز هو الضمانة الحقيقية لمؤسسات قوية ومجالس منتخبة قادرة على أداء أدوارها.

إن الديمقراطية لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بثقافة سياسية تجعل من المحاسبة جزءًا من العلاقة بين المواطن ومن انتخبه. فالمنتخب الذي يدرك أنه سيُقيَّم بإنجازاته، لا بوعوده، سيكون أكثر التزامًا، والمواطن الذي يمارس حقه في المتابعة والمساءلة، لا في التصفيق فقط، يساهم في ترسيخ الحكم الرشيد.

وفي النهاية، تبقى الانتخابات فرصة لتجديد الثقة، لكنها أيضًا فرصة لمراجعة المفاهيم. فالمواطن لم يعد يبحث عن بطلٍ يعد بكل شيء، بل عن رجل دولة يعرف ما يستطيع إنجازه، ويملك الشجاعة ليقول الحقيقة حتى وإن لم تكن شعبية. كما أن المنتخب الناجح ليس من يكسب أصوات الناس في يوم الاقتراع، وإنما من يحافظ على ثقتهم طوال عهدته.

فالأوطان لا تنهض بالوعود، وإنما تنهض عندما تتحول البرامج إلى مشاريع، والكلمات إلى أفعال، والثقة التي يمنحها المواطن إلى أمانة تُصان، لا إلى التزام يُنسى مع انتهاء موسم الانتخابات.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

حين تحترق المشاعر بالبرودة

عبدالله شراحيلي ابو يحى كلُّ شيءٍ يحترق بالحرارة… إلا المشاعر، فإنها تحترق بالبرودة. هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى نارٍ كي تحترق، يكفيها أن تُترك طويلًا في برد التجاهل، وأن تُسقى بالصمت بدل الكلمات، وأن تنتظر يدًا حانية فلا تجدها. المشاعر لا تموت غالبًا بسبب موقفٍ واحد، بل تموت بالتقسيط. تموت حين يصبح السؤال عنك عادةً مؤجلة، وحين تتحول الرسائل التي كانت تُكتب بشوق إلى…

الجارية والمثقف

  بقلم /خالد عمر مرعي كان يتحدث معي احد الأصدقاء المثقفين الأكاديميين، وفي اثناء الحديث ذكر لي قصة جارته المعلمة ووصفها بالجارية كونها سمراء البشرة، استغربت من حديثة ومن الصفة او اللقب الذي وصفها به، انحن مازلنا في عصر الجواري؟! قلت له ماذا تقصد ولماذا نعتها واطلقت عليها هذا اللقب او الصفة؟ تلعثم قليلاً وقال ياصديقي لا (تدقق) نحن نطلق على السمراء جارية، سكتُ قليلاً، وحاولت…

لقد فاتك ذلك

الدكتور نايف بن صالح العلياني يحيي الموروث التراثي بمتحف «بن هدية» في محافظة بلقرن 

الدكتور نايف بن صالح العلياني يحيي الموروث التراثي بمتحف «بن هدية» في محافظة بلقرن 

بدء التسجيل في الدبلوم المهني لصناعة الباترون بجدة

بدء التسجيل في الدبلوم المهني لصناعة الباترون بجدة

توقيع اتفاقية شراكة بين إيثار الدوائية و التثقيف الصحي لتعزيز الرعاية الصحية للمستفيدين

توقيع اتفاقية شراكة بين إيثار الدوائية و التثقيف الصحي لتعزيز الرعاية الصحية للمستفيدين

حين تبتسم الحياة

حين تبتسم الحياة

فريق هِمّة التطوعي ينفذ مبادرة «أثر أخضر» في حديقة الملك فهد بصبيا

فريق هِمّة التطوعي ينفذ مبادرة «أثر أخضر» في حديقة الملك فهد بصبيا

مركز التنمية الاجتماعية بجازان يحلق بالشباب في سماء الإبداع والابتكار تحت شعار «شبابنا ثروة»

مركز التنمية الاجتماعية بجازان يحلق بالشباب في سماء الإبداع والابتكار تحت شعار «شبابنا ثروة»

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode