الجزائر في عيد الاستقلال والشباب… حين يلتقي مجد الأمس برهان الغد

بقلم: الأستاذ كمال فليج

في الخامس من جويلية من كل عام، لا تحتفل الجزائر بتاريخٍ مضى فحسب، بل تستحضر ملحمة وطنية خالدة صنعتها إرادة شعب آمن بأن الحرية حق لا يُنتزع إلا بالتضحية. إنه اليوم الذي استعادت فيه الجزائر سيادتها الوطنية بعد حرب تحريرية تعد من أعظم الثورات في التاريخ الحديث، وهو في الوقت ذاته عيد الشباب، في رسالة وطنية بليغة تؤكد أن الأجيال الجديدة هي الامتداد الطبيعي لرسالة نوفمبر، والحارس الأمين لمكتسبات الاستقلال.

إن قيمة الاستقلال لا تُقاس بمرور السنوات، بل بما يترسخ في وعي الأجيال من معاني الانتماء والوفاء للوطن. فكلما أقبل الخامس من جويلية، عادت إلى الذاكرة صور الشهداء الذين ارتقوا وهم يحلمون بجزائر حرة، ذات سيادة وكرامة، تُبنى بسواعد أبنائها، ويظل علمها مرفوعًا بين الأمم.

لقد كان الاستقلال بداية مرحلة جديدة، لا نهايتها. مرحلة انتقلت فيها المعركة من ميادين التحرير إلى ميادين البناء والتنمية، ومن مواجهة الاستعمار إلى مواجهة تحديات التنمية والاقتصاد والمعرفة. واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على استرجاع السيادة الوطنية، تبقى المسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع في الحفاظ على منجزات الوطن، وتعزيز وحدته، وترسيخ قيم المواطنة الحقة.

ولعل أجمل ما يميز هذه المناسبة الوطنية هو اقترانها بعيد الشباب، ذلك الرهان الذي تعقد عليه الجزائر آمالها في صناعة المستقبل. فالشباب اليوم ليس مجرد فئة عمرية، بل هو قوة فكرية وإبداعية قادرة على قيادة التحول في مختلف المجالات. إن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الموارد الطبيعية وحدها، وإنما في الإنسان، وفي تمكين الشباب من أدوات العلم والابتكار وريادة الأعمال، حتى يكونوا شركاء في رسم ملامح الجزائر الجديدة.

وفي عالم تتسارع فيه التحولات، لم يعد كافيًا أن نفتخر بأمجاد الماضي، بل أصبح من الضروري أن نحول ذلك الإرث إلى طاقة للعمل والإنتاج والإبداع. فالأمم التي تحترم تاريخها هي تلك التي تجعل منه دافعًا لصناعة مستقبل أكثر إشراقًا، لا مجرد محطة للاحتفال واستذكار البطولات.

إن الوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل المخلص، واحترام القانون، وصيانة الوحدة الوطنية، وتعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ قيم المسؤولية. فالوطن الذي رُوي بدماء الشهداء يستحق من أبنائه أن يكونوا على قدر الأمانة، وأن يجعلوا من كل موقع يشغلونه فرصة لخدمة الجزائر.

وفي هذا اليوم المجيد، تنحني الهامات إجلالًا لأرواح شهدائنا الأبرار، وتُرفع رايات الفخر بكل مجاهد أسهم في صناعة فجر الحرية، كما تتجه الأنظار بثقة نحو شباب الجزائر، الذين يحملون اليوم مسؤولية مواصلة المسيرة، بروح نوفمبر، وعزيمة البناء، وإيمان لا يتزعزع بأن الجزائر ستظل قوية بشعبها، شامخة بتاريخها، وماضية بثبات نحو مستقبل يليق بتضحيات أبنائها.

تحية وفاء لشهداء الجزائر الأبرار… وتحية اعتزاز لكل شاب جزائري يحمل في قلبه حب الوطن، ويؤمن بأن بناء المستقبل يبدأ من الإخلاص له.

عاشت الجزائر حرة أبية، وعاش شعبها موحدًا، شامخًا، وفيًا لتاريخه، وواثقًا من مستقبله.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

خمسة فارقهم ولا تندم على فراقهم بقلم أحمد علي بكري

  بقلم أحمد علي بكري في الحياة أشخاص لا يكون رحيلهم خسارة، بل يكون أحيانًا استردادًا لشيء ثمين فقدناه ونحن نحاول الاحتفاظ بهم؛ استردادًا لكرامتنا، وطمأنينتنا، وحقنا في أن نعيش دون أن نقضي أعمارنا في إثبات قيمتنا لمن قرر مسبقًا ألا يراها. وليس كل فراق مأساة، كما أن كل بقاء ليس فضيلة؛ فبعض العلاقات تنتهي في اللحظة التي ندرك فيها أن وجود الطرف الآخر لم يعد…

ظلمٌ يطارد الحقيقة… وإنسانٌ يقاوم القهر

  الإعلامي/ عادل بن محمد البكري أحيانًا لا يدرك الإنسان حجم الثمن الذي قد يدفعه حين ينطق بكلمة الحق. قد يقولها بصدق، ويكشف أمرًا كان يحتاج إلى أن يُكشف، ثم يجد نفسه أمام حربٍ من نوع آخر؛ حرب لا تُسمع أصواتها، لكنها تُرهق النفس وتستنزف الإنسان يومًا بعد يوم. لماذا قلت الحق؟ لماذا تكلمت؟ لماذا لم تصمت؟ أسئلة قد تُرمى في وجه من اختار الصراحة، وكأن…

لقد فاتك ذلك

تعاون جديد بين محمد إمام وأحمد خالد موسى في «الأساتذة»

تعاون جديد بين محمد إمام وأحمد خالد موسى في «الأساتذة»

برنامج الأمير محمد بن سلمان للتوحد يزور إسطبل المهيمزي

برنامج الأمير محمد بن سلمان للتوحد يزور إسطبل المهيمزي

نادي الكتابة الإبداعية شغفنا ينظّم جلسة تدريبية حول التحول من كاتب إلى مدرب كتابة

نادي الكتابة الإبداعية شغفنا ينظّم جلسة تدريبية حول التحول من كاتب إلى مدرب كتابة

مدرسة السدرة الأبتدائية وأبي بكر الصديق المتوسطة تحتفل باليوم الوطني السعودي 

مدرسة السدرة الأبتدائية وأبي بكر الصديق المتوسطة تحتفل باليوم الوطني السعودي 

ندا يحسم ثلاثيته أمام السعدي بالإخضاع في ختام مثير لنسخة الرياض

ندا يحسم ثلاثيته أمام السعدي بالإخضاع في ختام مثير لنسخة الرياض

خمسة فارقهم ولا تندم على فراقهم بقلم أحمد علي بكري

خمسة فارقهم ولا تندم على فراقهم  بقلم أحمد علي بكري

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode