تعزيز مبادرات القبائل في عتق الرقاب وتوجيهها لدعم الشباب

بقلم اللـواء م / محمد بن سعيد الحـارثي

مدير شرطة العاصمة المقدسة (سابقاً)

شاب تجاوز الثلاثين من عمره، لم يتمكن من الحصول على عمل أو تكوين أسرة. قصته ليست استثنائية بل تمثل شريحة من الشباب الذين يواجهون ظروفاً متشابهة. فمن يبحث عن عمل يحتاج أولاً إلى وسيلة نقل تمكنه من الوصول إليه، وفي كثير من المناطق لا يتوفر النقل العام بالصورة الكافية، بينما تمثل سيارات الأجرة وخدمات النقل الخاصة تكلفة تفوق قدرة العاطلين عن العمل. وإذا افترضنا أن لدى الشاب القدرة على القيادة، فإن الحصول على وظيفة في بعض المجالات يتطلب وجود رخصة قيادة سارية المفعول. وصاحب هذه القصة يحمل رخصة منتهية منذ ثلاث سنوات، لكنه عاجز عن تجديدها بسبب مخالفات مرورية بلغت نحو ( 18 ألف ريال ) ويتساءل: من أين أسددها وأنا بلا عمل، ووالدي متقاعد محدود الدخل، ووالدتي مريضة، فضلاً عن تراكم إيجارات متأخرة على الأسرة؟ هذه الحالة ليست فردية، بل تتكرر بصور مختلفة لدى كثير من الشباب الذين وجدوا أنفسهم في دائرة مغلقة؛ فلا عمل دون رخصة، ولا رخصة دون سداد المخالفات، ولا قدرة على السداد دون عمل.

ومن هنا أطرح عدداً من المقترحات التي قد تسهم في معالجة هذه المشكلة:

أولاً – إستثناء رخصة القيادة من التعليق عند الإصدار أو التجديد للحالات الاجتماعية المستحقة، وعدم ربطها بسداد كامل المخالفات، بما يتيح للشاب فرصة البحث عن عمل أو الالتحاق بوظيفة.

ثانياً – إتاحة جدولة المخالفات المرورية واستقطاع نسبة محددة من الراتب بعد حصول المستفيد على وظيفة، بما يضمن استيفاء الحقوق دون حرمانه من فرصة العمل.

ثالثاً – إقرار حوافز لتخفيض المخالفات القديمة لمن يلتزم بالقيادة الآمنة لفترات طويلة دون تسجيل مخالفات جديدة، بما يشجع على الالتزام المروري ويمنح فرصة لتصحيح الأوضاع.

رابعاً – التوسع في العقوبات البديلة لبعض المخالفات، من خلال ساعات عمل تطوعي أو برامج خدمة مجتمعية، بما يحقق البعد التربوي والاجتماعي للعقوبة.

خامساً – مساهمة الجهات الخيرية ومنصات الدعم المجتمعي في مساعدة الحالات الأشد حاجة، ممن ثبت عجزهم عن السداد وكانت المخالفات تحول بينهم وبين العمل والاستقرار المعيشي.

سادساً – تعزيز مبادرات القبائل والفضلاء المساهمة في عتق الرقاب وتوجيهها بحيث تشمل دعم الشباب ممن تراكمت مخالفاتهم وتعثروا في السداد حتى انها أصبحت سبباً في بطالتهم وربما انحرافهم عن الجادة فمساعدتهم على تجاوز هذه العقبات وبدء حياة مستقرة قد تكون من أعظم صور التكافل الاجتماعي وأثرها أبقى على الفرد والمجتمع. خصوصاً اننا نرى تنافساً محموماً في جمع تبرعات ماليه ضخمه في عتق الرقاب. وهو امر محمود، لكنني لا اميل الى ما يحدث فيها من مبالغات. وينبغي ان يتم توجيه شيء من الاهتمام في سداد مخالفات الشباب العاطل باعتباره أولى، فالحي أولى من الميت.

ولذلك فإنني أرى ان تمكين الشباب من العمل والإنتاج ليس مصلحة فردية فحسب، بل هو مصلحة وطنية واجتماعية. فكل شاب يجد فرصة كريمة للعمل يصبح أكثر قدرة على بناء مستقبله، والإسهام في تنمية مجتمعه، والابتعاد عن مسارات الحاجة والانحراف. ومن هنا فإن معالجة العقبات التي تحول بينه وبين العمل تستحق الدراسة والمراجعة، تحقيقاً للتوازن بين حفظ الحقوق وفتح أبواب الأمل أمام من تعثرت بهم الظروف.

وحقيقة ليس الهدف من هذه المقترحات إسقاط المخالفات أو التهاون في تطبيق الأنظمة، وإنما إيجاد حلول عملية تضمن إستيفاء الحقوق من جهة، وتمكين الشباب من العمل والإنتاج من جهة أخرى. فحين تتحول الرخصة من عقبة إلى وسيلة للرزق، يصبح الشاب قادراً على سداد ما عليه وبناء مستقبله وخدمة وطنه، وهو ما يعود بالنفع على الجميع.

 

والله من وراء القصد

صدى نيوز اس 1

Related Posts

أمسك فؤادك.. فالقلوبُ مدائنٌ وللطرقاتِ عابرون

بقلم/محمد باجعفر ​القلوبُ ليست أرضاً مُباحةً يطؤها كلُّ قادم، بل هي مدائنُ شُيِّدت أسوارُها من مشاعرَ ونبض، ولكلِّ مدينَةٍ حرّاسُها وأبوابُها. وفي زحامِ الحياة، تتوافدُ على أرواحِنا أطيافٌ شتّى؛ منهم من يدخلُ ليخلعَ نعليهِ عند عتبةِ الروحِ ويستريح، ومنهم من يمرُّ كنسيمِ صيفٍ عابر، يتركُ أثراً طفيفاً ثم يمضي إلى سبيله. وإنّ أشدَّ ما يُبتلى به المرءُ هو أن يفتحَ أبوابَ مدينتِهِ لمن لا ينوي البقاء،…

في اليوم العالمي للمعلم.. شكرًا صُنّاع المستقبل

الإعلامي/ خضران الزهراني 5 أكتوبر 2026م في اليوم العالمي للمعلم، تتجدد مشاعر الوفاء والتقدير لمن حملوا رسالة العلم، وأضاءوا دروب الأجيال بالمعرفة والقيم، وأسهموا بعطائهم في بناء الإنسان وصناعة مستقبل الوطن. فالمعلم ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، بل هو صانع وعي، وباني أجيال، وشريك أساسي في صناعة المستقبل. كل الشكر والتقدير لكل معلم ومعلمة على ما يقدمونه من عطاء مخلص، وجهود عظيمة، ورسالة سامية تترك أثرًا ممتدًا…

لقد فاتك ذلك

أمسك فؤادك.. فالقلوبُ مدائنٌ وللطرقاتِ عابرون

أمسك فؤادك.. فالقلوبُ مدائنٌ وللطرقاتِ عابرون

في اليوم العالمي للمعلم.. شكرًا صُنّاع المستقبل

في اليوم العالمي للمعلم.. شكرًا صُنّاع المستقبل

المملكة تعزز الحوار الدولي لحماية البيئات الجافة وتحقيق الاستدامة

المملكة تعزز الحوار الدولي لحماية البيئات الجافة وتحقيق الاستدامة

في يوم المعلم.. تحية وفاء لصانع الأجيال وباني العقول

في يوم المعلم.. تحية وفاء لصانع الأجيال وباني العقول

في رحاب مكة.. احتفال وطني استثنائي لـ«مبتكرون السياحية» يجمع رموز المجتمع

في رحاب مكة.. احتفال وطني استثنائي لـ«مبتكرون السياحية» يجمع رموز المجتمع

جمعية مسار” تستضيف معالي د. بكري عساس غداً في معرض التعليم والتدريب بجدة

جمعية مسار” تستضيف معالي د. بكري عساس غداً في معرض التعليم والتدريب بجدة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode