في ظل غياب الكلام 

بعد الآن ليس بيني وبينك عتاب

من كثر ماعاتبت ..

تلاشت كلمات العتاب وألتزمت

 الصمت في ظل غياب الكلا م

للصمتِ أحياناً ضجيجٌ يضاهي صراخ الكلمات، وحين يصل العتاب إلى طريقٍ مسدود، يتحول السكوت من انكسارٍ إلى استعلاءٍ على الجرح. لقد صغتَ هذا الشعور ببراعة؛ فالكلمات التي تذبل من كثرة التكرار لا تجد أمامها سوى الصمتِ لتستريح فيه، أو لتنسحبَ منه بهدوء.

​إنَّ هذا الانتقال من “العتاب” إلى “الصمت الملتزم” هو في حقيقته أرقى درجات التصالح مع الواقع؛ إذ لم يعد للطرف الآخر أثرٌ يستوجبُ المواجهة، وأصبحت المسافةُ التي تفصلك عن الحزن أبعد من أن تقطعها حروفك.

ويعد هذا اختيارٌ عميق وموفق، فـهو” ليس مجرد توثيق للأماكن والتراث، بل هو مرآةٌ لانعكاسات النفس البشرية وتجاربها مع الفقد، والانتظار، والتحرر من أثقال العتاب.

​، بوضعها في إطارٍ يربط بين “صمتِ الإنسان” و”صمتِ المكان”، فكما أن لمدننا وذكرياتنا صمتاً يحكي الكثير، فإن للإنسان لحظاتٍ يقرر فيها أن يصمت ليحافظ على كبريائه

 ينسج منهاحول هذا الصمت مشهداً يجسد حالةً إنسانية مر بها و رصدها في رحلته التوثيقية حيث يتحول الصمت إلى لغة تواصل غير منطوقة.

 “”، بينما تتقاطع مسارات الذاكرة في أزقة ألمدينة العتيقة، حيث تروي الجدران الطينية قصصاً لم تعد تقوى على البوح،

​ففي رحابِ السكينة: حين تتوقفُ عقاربُ العتاب

​في تلك الزاوية من العمر، حيث يغدو الحنينُ ممارسةً يومية لا تختلف عن سقي حديقة المنزل، وقفتُ أتأملُ كيف يتحولُ الإنسانُ إلى مساحةٍ شاسعة من الصمت. لقد كنتُ أعتقدُ طويلاً أنَّ العتابَ جسرٌ يربطُ بين القلوب، لكنني أدركتُ، بعد رحلةٍ طويلةٍ في دروبِ الحياة، أنَّ هناك قلوباً لا يفتحُ أقفالها الضجيج، ولا تليّنُ قسوتها الكلمات.

ف​نظرتُ إلى أوراقي التي ملأتها “الخواطر” والقصائد، وتذكرتُ تلك المواقف التي استنزفت الكثير من عاطفتي. فاليوم، وأنا أراجعُ فصولَ حياتي، لم أجد مكاناً للوم. لقد وصلتُ إلى قناعةٍ تامة تجعلُ الروحَ خفيفةً كنسيمِ في ليلةٍ مقمرة:

و​هذا الصمتُ الذي ألتزمُ به الآن ليس ضعفاً، بل هو “براءةُ ذمةٍ”من ذكرياتٍ

لم تعد تشبهني

 إنه صمتٌ يشبهُ صمتَ “سوق الصميل” بعد انصرافِ الباعة، حيث تبقى الروائحُ والآثارُ شاهدةً على ما كان، لكنَّ الحركةَ قد هدأت، والضجيجُ قد استحالَ إلى سكينةٍ مهيبة. لقد أصبحتُ أدركُ أنَّ أسمى حالاتِ الكتابة هي تلك التي نصمتُ فيها عن الأشياء التي لا تُقال، لنفسحَ المجالَ للروحِ أنْ تتنفسَ في مساحاتِ التصالحِ مع الذات.

بقلم /محمد باجعفر

صدى نيوز اس 1

Related Posts

لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه

  الإعلامي/ خضران الزهراني تُعد هذه الحكمة من أبلغ ما قيل في تهذيب اللسان، فهي تختصر منهجًا عظيمًا في التعامل مع الكلمة، وتُبرز الفرق بين الحكمة والطيش، وبين التعقل والتسرع. “لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه.” ومعناها أن العاقل يجعل عقله وقلبه ميزانًا لكلامه، فلا يتحدث حتى يفكر، ولا ينطق حتى يزن كلماته بميزان الحق والأدب والمصلحة. فإن وجد في كلامه خيرًا قاله، وإن…

نماذج وطنية مشرقة صالح آل حيه.. مسيرة عطاء وإخلاص

  بقلم / د. معدي حسين آل حيه تزخر المملكة العربية السعودية بكفاءات وطنية أسهمت في مسيرة البناء والتنمية، وكرّست جهودها لخدمة الدين ثم المليك والوطن، ومن هذه النماذج المشرّفة الأستاذ صالح بن حسين بن علي بن محي آل الحية، الذي عُرف بالإخلاص في العمل، والانضباط المهني، والتميز في أداء المسؤوليات، حتى أصبح مثالًا يُحتذى به في ميادين الخدمة الحكومية. بدأ الأستاذ صالح رحلته التعليمية في…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

ميناء جدة الإسلامي يُطلق حزمة حوافز لوجستية جديدة لتعزيز تنافسية سلاسل الإمداد

ميناء جدة الإسلامي يُطلق حزمة حوافز لوجستية جديدة لتعزيز تنافسية سلاسل الإمداد

المملكة تُطلق مشروعًا وطنيًا ضخمًا لتوطين صناعة السيارات الكهربائية بالكامل

المملكة تُطلق مشروعًا وطنيًا ضخمًا لتوطين صناعة السيارات الكهربائية بالكامل

لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه

لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه

نماذج وطنية مشرقة صالح آل حيه.. مسيرة عطاء وإخلاص

نماذج وطنية مشرقة صالح آل حيه.. مسيرة عطاء وإخلاص

بيئة مكة تشارك في تمرين لمحاكاة الاستجابة لمخاطر السيول والفيضانات

بيئة مكة تشارك في تمرين لمحاكاة الاستجابة لمخاطر السيول والفيضانات

بيئة مكة تطلق مبادرة لإعادة تدوير الملابس وتعزيز الاستدامة

بيئة مكة تطلق مبادرة لإعادة تدوير الملابس وتعزيز الاستدامة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode