سلسلة حياتك السعيدة  المقال (21): غنى النفسِ.. كيف تعيشُ سعيدًا بأقلِّ القليلِ؟

 

بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

استهلال:

الغنى الحقيقيُّ ليس في كثرةِ العرَضِ، بل في غنى النفسِ. والسعادةُ الحقيقيةُ هي القناعةُ؛ فمن رضي بما قسمَه اللهُ تعالى له، كان أغنى الناسِ قلبًا، وأهدأَهم بالًا. وفي هذه المحطةِ ندركُ أنَّ الركضَ خلفَ السرابِ يُورِثُ الظمأَ، أمَّا الارتواءُ من معينِ القناعةِ، فيُنعشُ الروحَ، ويمنحُها استقرارًا لا تُزعزعُه عواصفُ المادياتِ، ولا تقلقُه تقلُّباتُ الحياةِ.

تأملات (201–210)

201. الثقةُ باللهِ تعالى تمنحُك الثباتَ عند «تغيُّرِ الأحوالِ الماديةِ». فمن عرفَ اللهَ تعالى في الرخاءِ، وجدَه في الشدةِ، واطمأنَّ إلى أنَّ رزقَه لن يأخذَه غيرُه، وما كُتبَ له سيأتيه في أوانه.

202. الهدوءُ النفسيُّ يُعزِّزُ مهاراتِ «الاستيعابِ والتعلُّمِ». فالعقلُ الهادئُ هو التربةُ الخصبةُ لنموِّ الحكمةِ، وبالسكينةِ نتقنُ فنَّ الحياةِ، ونحسنُ اتخاذَ القرارِ.

203. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القبولَ بـ «قدراتِك المحدودةِ». فلا تُحمِّلْ نفسَك ما لا تُطيقُ، وارضَ بما وهبَك اللهُ ربُّ العالمينَ من مواهبَ، تُبدِعْ فيها، وتسعدْ بها، وتنفعْ بها غيرَك.

204. السكينةُ القلبيةُ ثمرةُ تركِ «المقارنةِ بالآخرينَ». فالمقارنةُ تُطفئُ نعمةَ الرضا، وتُرهقُ القلبَ، أمَّا الانشغالُ ببناءِ ذاتِك فيمنحُك سلامًا وسعادةً لا تنقطعُ.

205. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُك «القوةَ في قولِ الحقِّ». فمن كان مع اللهِ تعالى، لم يخفْ لومةَ لائمٍ، وألهمَه اللهُ تعالى الشجاعةَ والثباتَ، وأكرمَه بحسنِ العاقبةِ.

206. صفاءُ القلبِ للهِ تعالى يُورثُ التوفيقَ في «المبادراتِ الخيريةِ». فالنيةُ الصادقةُ تُباركُ في القليلِ، وتجعلُ أثرَه عظيمًا، وتبقى بصمتُه في حياةِ الناسِ طويلًا.

207. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من «الاعتراضِ على القدرِ». فالشاكرُ يرى في كلِّ قضاءٍ حكمةً، وفي كلِّ منعٍ عطاءً خفيًّا، فيعيشُ مطمئنَّ القلبِ مهما تغيَّرتِ الظروفُ.

208. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذِّبُ رغبةَ «الاستبدادِ بالرأيِ». فالتواضعُ للهِ تعالى يدفعُك إلى المشاورةِ، والإصغاءِ، وقبولِ الحقِّ من أيِّ مصدرٍ جاء، فتربحُ القلوبَ قبلَ المواقفِ.

209. السعادةُ الحقيقيةُ تكمنُ في السكينةِ الروحيةِ عند «صلةِ الرحمِ». ففي الوصلِ بركةٌ في الرزقِ، وسعةٌ في العمرِ، وانشراحٌ للصدرِ، ونيلٌ لرضا اللهِ تعالى.

210. كلُّ عسرٍ بقضاءِ اللهِ تعالى هو «مخاضٌ» لولادةِ يُسرٍ جديدٍ. تضيقُ الأيامُ ليختبرَ اللهُ ربُّ العالمينَ صبرَك، ثم تتَّسعُ لتشهدَ عظيمَ فضلِه، وجميلَ تدبيرِه، وسعةَ رحمتِه.

الخاتمة:

وفي ختامِ هذه المحطةِ، تذكَّر أنَّ الغنى الحقيقيَّ لا يُقاسُ بما تملكُه يداك، بل بما يملؤُ قلبَك من إيمانٍ، ورضًا، وقناعةٍ. فكم من إنسانٍ امتلكَ كنوزَ الدنيا، وعاشَ فقيرَ النفسِ، وكم من آخرَ لم يملكْ إلا القليلَ، لكنه كان أغنى الناسِ قلبًا، وأوسعَهم صدرًا، وأسعدَهم روحًا.

فاجعلْ علاقتَك باللهِ تعالى أعظمَ ثرواتِك، وارضَ بما قسمَه لك، واسعَ فيما ينفعُك، وخذْ بالأسبابِ، ثم فوِّضْ أمرك إلى الكريمِ الوهَّابِ؛ فإنَّ القناعةَ ليست استسلامًا، بل قوَّةٌ تُحرِّرُ الإنسانَ من أسرِ الطمعِ، وتمنحُه حياةً يملؤُها الاطمئنانُ والسكينةُ.

واعلمْ أنَّ السعادةَ ليست وجهةً نصلُ إليها، بل هي أسلوبُ حياةٍ يبدأُ من قلبٍ مؤمنٍ، ولسانٍ شاكرٍ، ونفسٍ راضيةٍ، وعملٍ صالحٍ، ورجاءٍ لا ينقطعُ في رحمةِ اللهِ تعالى. فمن امتلكَ هذه المعاني، فقد نالَ الغنى الذي لا ينفدُ، والنعيمَ الذي لا تُقاسُ قيمتُه بمالٍ ولا متاعٍ.

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

فطوبى لمن جعلَ ثقتَه باللهِ تعالى زادَه، وقناعتَه كنزَه، ورضاه سبيلَه إلى حياةٍ سعيدةٍ مطمئنةٍ في الدنيا، وفوزٍ فى الآخرة .

صدى نيوز اس 1

Related Posts

لن نكون أوراق تذروها الرياح

سارة السلطان / الرياض ما هذا الذي يعرضه البعض بوسائل الإعلام الاجتماعي والتقني! لا حياء من الله ولا حشيمة لمن يقرأ !؟ ولا حتى احترام لذاته..!؟ عرض صور شبه عارية بحجة أنتقادها ! كأن التعلم والإرشاد بطرق الحرام ! هذا عدا التعليق على كل صورة، حتى الحيوان والطائر خجل من تعليقاتهم القبيحة،وكلامهم الخادش للحياء،على فطرتهم! وقد تجاوز الأمر إلى إثارة الغرائز والتباهي بالمعصية عياذا بالله ..…

ما بين الضعف والقسوة وقمّة الاحتياج

الكاتبة / وجنات صالح ولي في دهاليز المشاعر الإنسانية، بين الضعف والقسوة وقمّة الاحتياج، تنساب المشاعر في دروب الحياة كأنهارٍ متلاطمة، تتأرجح بين اللين والشدة، وبين الهشاشة والصلابة. وفي رحلة العيش الطويلة، يعبر الإنسان محطات وجدانية معقّدة، تشكّل جوهر وجوده، وتحدّد ملامح علاقته بنفسه وبمن حوله. ومن بين أكثر هذه المفاهيم عمقًا وتأثيرًا على النفس البشرية، تتجلّى ثلاثة أبعاد: الضعف الذي نخشاه، والقسوة التي نتجنبها، وقمّة…

لقد فاتك ذلك

اليوم قرعة دوري أبطال الخليج للأندية

اليوم قرعة دوري أبطال الخليج للأندية

أحمد مشني يحتفل بزواجه

أحمد مشني يحتفل بزواجه

لن نكون أوراق تذروها الرياح

لن نكون أوراق تذروها الرياح

جمعية التاريخ والآثار الخليجية تعقد ملتقاها السنوي الـ 25 في صلالة

جمعية التاريخ والآثار الخليجية تعقد ملتقاها السنوي الـ 25 في صلالة

‏ببيئة مكة تتابع مشاريع برنامج «ريف» المستهدفة بالمنطقة

‏ببيئة مكة تتابع مشاريع برنامج «ريف» المستهدفة بالمنطقة

بيئة العرضيات ينفّذ أعمال سقيا الأشجار والعناية بالأحواض بالشراكة مع “مركز الوطني للغطاء النباتي”

بيئة العرضيات ينفّذ أعمال سقيا الأشجار والعناية بالأحواض بالشراكة مع “مركز الوطني للغطاء النباتي”

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode