رفض أكبر من حجمه

بقلم/ سلافة سمباوه 

قررت أن أختبر الرفض بوصفه تجربة إنسانية. لم أكن أتوقع أن تكشف كلمة واحدة كل هذا القدر من الغضب، والإنكار، والمراوغة، والإلحاح، وحتى التهديد. عندها أدركت أن الرفض لا يجرح الإنسان بقدر ما يكشف ما يختبئ في أعماقه. فخلف كل رد فعل حاد حكاية لم تُروَ، وخوف لم يُفهم، وصورة عن الذات تشكلت عبر سنوات طويلة، حتى أصبح كثيرون لا يرون في الرفض مجرد اختلاف في الاختيار، وإنما حكمًا على قيمتهم ووجودهم.

يتشكل إدراك الإنسان لذاته منذ سنواته الأولى، وتتأثر شخصيته بخبراته المتراكمة وعلاقاته وتجارب حياته. وقد أشار كثير من الباحثين إلى أن بعض الخبرات المبكرة قد تترك آثارًا عميقة، فينشأ لدى البعض خوف من الرفض أو الهجر أو الخيانة أو الظلم. ومع مرور السنوات تتداخل هذه الخبرات مع تجارب الحياة، فتؤكدها أحيانًا، وتضعف أثرها أحيانًا أخرى، تبعًا لوعي الإنسان وطريقة تفسيره لما يمر به.

لهذا قد تكون الاستجابة لموقف واحد أكبر من حجم الموقف نفسه. فرفض طلب، أو انتهاء علاقة، أو تجاهل عابر، قد يتحول عند بعض الأشخاص إلى دليل على أنهم غير جديرين بالمحبة أو التقدير، بينما يراه آخرون اختلافًا طبيعيًا في الرغبات أو الظروف، ثم يمضون في حياتهم دون أن يحملوه أكثر مما يحتمل.

ومن المثير للاهتمام أن المجتمع يشارك أحيانًا في صناعة هذا الشعور. فالإعلانات لا تبيع المنتجات وحدها، وإنما تبيع صورة الإنسان المقبول، والناجح، والجذاب. ومع تكرار هذه الرسائل، يترسخ في الأذهان أن القبول يرتبط بالشكل، أو المال، أو المكانة، أو الشهرة. لذلك يسعى كثيرون إلى تعديل مظهرهم، أو تغيير شخصياتهم، أو مراكمة الإنجازات، أملًا في الحصول على اعتراف خارجي يمنحهم شعورًا بالأمان، بينما يبقى الفراغ الداخلي على حاله.

ولهذا يبالغ بعض الناس في السعي إلى إرضاء الجميع، أو يتشبثون بعلاقة انتهت، أو يغضبون من رفض لا يستحق كل هذا الانفعال. فهم لا يدافعون عن موقف آني، وإنما يحاولون حماية صورة داخلية يخشون انهيارها، فيتحول الرفض في أذهانهم إلى تهديد للهوية، لا إلى اختلاف طبيعي بين شخصين.

غير أن الرفض لا يحمل دائمًا ذلك المعنى القاسي الذي نمنحه له. فقد يرفض شخص علاقة، أو فكرة، أو عرضًا؛ لأن احتياجاته، أو ظروفه، أو قناعاته مختلفة. تمامًا كما يختار المستهلك منتجًا دون آخر. فالاختيار لا يعني إدانة الطرف الآخر، وإنما يعبر عن اختلاف طبيعي بين البشر، واحترام هذا الاختلاف جزء من احترام الإنسان نفسه.

المشكلة تبدأ عندما يحول الإنسان تجربة واحدة إلى قانون يحكم حياته كلها. ينسى لحظات القبول، ويتمسك بموقف واحد، ثم يبني عليه صورة كاملة عن نفسه وعن العالم. عندها يصبح الرفض عدسة يرى من خلالها كل شيء، فيتراجع عن المحاولة، أو يبالغ في إثبات نفسه، أو يعيش أسيرًا لرأي الآخرين.

الحياة لا تمنح أحدًا قبولًا مطلقًا، كما أنها لا تمنح أحدًا رفضًا مطلقًا. سنلتقي بأشخاص ينسجمون معنا، وآخرين لا يجدون أنفسهم في دوائرنا، وهذا جزء طبيعي من اختلاف البشر، لا حكم على قيمة أحد.

النضج يبدأ عندما نتوقف عن ربط قيمتنا بمدى قبول الآخرين لنا، وندرك أن احترام اختيارات الناس لا يقل أهمية عن احترام ذواتنا. فلا أحد ملزم بأن يحبنا، كما أننا لسنا ملزمين بإقناع الجميع بنا.

أعين الناس ليست لجنة تحكيم، وأرواحنا ليست سلعة تنتظر تقييم الآخرين. قيمتك لا يمنحها قبول أحد، ولا ينتقص منها رفض أحد. الرفض حدث، وليس هوية، وتجربة، وليس حكمًا نهائيًا على الإنسان. وكلما أدركنا ذلك، عاد كل شيء إلى حجمه الطبيعي، وتوقفنا عن منح الرفض أكبر من حجمه .

صدي نيوز اس 6

Related Posts

الماء هبة الله وسر الحياة.. شكر النعمة يبدأ بالمحافظة عليها

  بقلم: الدكتور معدي آل حيه في إطار توجيه وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد لخطباء الجوامع بالحديث عن نعمة الماء وأهمية المحافظة عليها وترشيد استهلاكها، تبرز الحاجة إلى استحضار هذه النعمة العظيمة في حياة الإنسان، ليس باعتبارها موردًا من موارد الحياة فحسب، بل باعتبارها آية من آيات الله، ونعمة تستوجب الشكر، وأمانة تستوجب المحافظة عليها. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ…

الجمعة الجامعة

  محمد الرياني لم أكن أميز أيام الأسبوع ، ألهو صغيرًا بملابس الطفولة الأنيقة ومن فوقها شعر رأسي الأسود الكثيف الذي يشبه المظلة ، وكنت أشعر بالزهو والفخر وأنا أرى تناسق حركاتي مع حركات شعري عندما أركض والهواء يصنع مني حكاية . اعتدت في صباح كل جمعة أن أذهب إلى دار أختي الكبرى لأحتسي عندها لبنًا من بقرتها الحمراء التي تربض قريبًا منها ، وكنت أنظر…

لقد فاتك ذلك

عايض يوسف يتألق في مركز الملك فهد الثقافي احتفاءً بالوطن

عايض يوسف يتألق في مركز الملك فهد الثقافي احتفاءً بالوطن

الماء هبة الله وسر الحياة.. شكر النعمة يبدأ بالمحافظة عليها

الماء هبة الله وسر الحياة.. شكر النعمة يبدأ بالمحافظة عليها

الجمعة الجامعة

الجمعة الجامعة

مركز البصيرة يُطلق “الروض الندّي في تخميس لامية ابن الوردي” للباحث حسين مروعي

مركز البصيرة يُطلق “الروض الندّي في تخميس لامية ابن الوردي” للباحث حسين مروعي

نادي ملتقى المبدعين وجوائز التميز المؤسسي ودورها في تحسين الأداء وصناعة الأثر

نادي ملتقى المبدعين وجوائز التميز المؤسسي ودورها في تحسين الأداء وصناعة الأثر

جدة تحتفي بتجربة محمد زايد الألمعي في أمسية «أنتم ووحدي»

جدة تحتفي بتجربة محمد زايد الألمعي في أمسية «أنتم ووحدي»

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode