الذكاء الاصطناعي بين صناعة المعرفة وصناعة الوهم

 

بقلم: أحمد علي بكري

يشهد العالم اليوم ثورة تقنية غير مسبوقة مع الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي أصبحت في متناول الجميع بعد أن كانت تقنيات متقدمة لا يستخدمها إلا المتخصصون. وقد أسهمت هذه الأدوات في تسريع الوصول إلى المعلومات، والمساعدة في البحث، وصياغة النصوص، وتلخيص الكتب، وترجمة اللغات، وشرح المفاهيم، حتى غدت جزءًا من الحياة اليومية لملايين المستخدمين. غير أن هذه السهولة نفسها أفرزت ظاهرة تستحق الوقوف عندها؛ إذ تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها منصة X، إلى ساحة يغلب عليها النقل السريع لمخرجات الذكاء الاصطناعي دون فهم أو تمحيص أو مراجعة، حتى أصبح كثير من المحتوى المتداول مجرد إعادة تدوير لنصوص تولدها الخوارزميات، تُنشر على أنها حقائق نهائية أو آراء راسخة، بينما يفتقر ناقلوها إلى الحد الأدنى من القدرة على تقييمها أو نقدها.

تكمن المشكلة في أن الذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرة كبيرة على إنتاج نصوص متماسكة ولغة مقنعة، الأمر الذي يمنح كثيرًا من القراء انطباعًا بأن كل ما يكتبه صحيح بالضرورة. إلا أن الصياغة الجميلة لا تعني دائمًا صحة المعلومة، كما أن الثقة في الأسلوب لا تساوي الثقة في المحتوى. فالذكاء الاصطناعي قد يجمع بين الحقائق والأخطاء، وقد يخلط بين المعلومات الدقيقة والاستنتاجات غير المثبتة، بل قد يقدم إجابات تبدو منطقية وهي في حقيقتها غير صحيحة أو غير مدعومة بمصادر موثوقة. ولذلك فإن الاعتماد المطلق على مخرجاته دون مراجعة أو تحقق يمثل خطرًا معرفيًا حقيقيًا.

لقد أصبح بعض المستخدمين يطرح أي سؤال يخطر في باله، ثم ينسخ أول إجابة يحصل عليها من أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي وينشرها مباشرة، وكأنها نتيجة بحث علمي أو رأي متخصص، دون أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من معرفة مواضع الخطأ أو مواطن القوة في تلك الإجابة. والأسوأ من ذلك أن بعضهم يدخل في نقاشات علمية أو تاريخية أو شرعية أو طبية اعتمادًا على هذه المخرجات وحدها، فيصدر الأحكام، ويرد على المختصين، ويصحح للباحثين، وهو في الحقيقة لم يبذل جهدًا في التحقق أو المقارنة أو قراءة المصادر الأصلية.

إن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما في طريقة استخدامه. فالأداة في ذاتها محايدة، وقد تكون نافعة أو ضارة بحسب عقل مستخدمها. فالكتاب يمكن أن يكون مصدر علم، كما يمكن أن يكون مجرد أوراق يحملها من لا يقرأها، والحاسوب قد يكون وسيلة للإبداع أو أداة لنشر الجهل، وكذلك الذكاء الاصطناعي. ولهذا فإن الخطأ لا يكمن في الاستعانة بهذه التقنيات، وإنما في تحويلها إلى بديل عن التفكير، وإلى مرجع نهائي لا يُراجع ولا يُناقش.

وقد عبّر القرآن الكريم عن صورة بليغة لحمل المعرفة دون إدراك حقيقتها بقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، وهي صورة تصف من يحمل العلم دون أن ينتفع به أو يفقه مضمونه. وليس المقصود تشبيه كل مستخدم للذكاء الاصطناعي بهذا الوصف، وإنما التنبيه إلى أن مجرد حمل المعلومات أو نقلها لا يجعل الإنسان عالمًا، كما أن كثرة الاقتباس لا تعني الفهم، ولا كثرة المنشورات تدل على رسوخ المعرفة. فالعبرة ليست بما تحفظه الأجهزة، بل بما يدركه العقل ويستوعبه ويستطيع نقده وتمييزه.

لقد أصبح من السهل جدًا إنتاج مئات المنشورات يوميًا باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكن الكم لا يغني عن الكيف، وسرعة النشر لا تعوض ضعف التحقق. بل إن هذه السرعة قد تؤدي إلى انتشار الأخطاء بصورة أوسع من أي وقت مضى، لأن المعلومة الخاطئة إذا صيغت بلغة قوية وانتشرت عبر الحسابات المؤثرة، فإن تصحيحها يصبح أكثر صعوبة من نشرها. ومن هنا تظهر مسؤولية المستخدم في أن يكون حاجزًا أمام تضليل المعرفة، لا وسيلة لتكاثرها.

ولا ينبغي أن يقودنا هذا النقد إلى رفض الذكاء الاصطناعي أو التقليل من أهميته، فهذه الأدوات تمثل إحدى أعظم الإنجازات التقنية في العصر الحديث، ويمكن أن تكون معينًا للباحث، ومساعدًا للكاتب، ومرشدًا للطالب، ووسيلة لتوفير الوقت والجهد، إذا استُخدمت في إطارها الصحيح. فالاستعانة بها في جمع الأفكار، أو تلخيص المراجع، أو اقتراح محاور البحث، أو تحسين الصياغة، أو توسيع دائرة الاطلاع، كلها استخدامات مشروعة ومفيدة، بل قد تصبح ضرورة في المستقبل مع تسارع تدفق المعرفة.

لكن هذه الفوائد لا تتحقق إلا إذا كان لدى المستخدم حصيلة علمية ومنهجية تمنحه حصانة فكرية. فالحصيلة العلمية هي التي تمكنه من اكتشاف الأخطاء، والمنهجية السليمة هي التي تدفعه إلى الرجوع للمصادر، والمقارنة بين الأقوال، وعدم التسليم بكل ما تنتجه الخوارزميات. فالعقل الواعي يستخدم الذكاء الاصطناعي ليختصر الطريق إلى المعرفة، أما العقل الكسول فيستخدمه ليختصر التفكير نفسه، وهنا تبدأ المشكلة.

ومن أخطر ما يفرزه الاستخدام العشوائي لهذه الأدوات تضخم الثقة بالنفس لدى بعض المستخدمين؛ إذ يظنون أن امتلاكهم القدرة على الوصول إلى الإجابة يعني امتلاكهم للعلم ذاته، مع أن الوصول إلى المعلومة شيء، وفهمها وتحليلها ونقدها شيء آخر تمامًا. فالعلم ليس مجرد معلومات متفرقة، وإنما بناء متكامل يقوم على الفهم والتراكم والخبرة والمنهج والاستدلال، وهي أمور لا تتحقق بمجرد نسخ النصوص أو إعادة نشرها.

لقد غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تعامل الإنسان مع المعرفة، لكنه لم يُلغِ قيمة العقل، ولم يُسقط أهمية التخصص، ولم يجعل جميع الناس خبراء بين ليلة وضحاها. وسيظل الإنسان المسؤول الأول عن التحقق من المعلومات، وعن تحمل تبعات ما ينشره، لأن التقنية لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية، وإنما يتحملها مستخدمها.

إن مستقبل المعرفة لن يُبنى على من يحفظ أكبر عدد من الإجابات الجاهزة، بل على من يمتلك القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وتحليل الأدلة، ونقد المعلومات، والتمييز بين الحقائق والادعاءات. فالذكاء الاصطناعي سيبقى أداة عظيمة في يد العاقل، لكنه قد يتحول إلى وسيلة لنشر الوهم إذا وقع في يد من يكتفي بالنسخ دون فهم، أو بالنقل دون تحقق، أو بالتكرار دون تفكير.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس محاربة الذكاء الاصطناعي، وإنما ترسيخ ثقافة الاستخدام الواعي له، وتعليم الأجيال أن التقنية لا تُغني عن العقل، وأن المصادر لا تُغني عن المنهج، وأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة. فكلما ازدادت قوة الأدوات، ازدادت الحاجة إلى عقول ناقدة تمتلك الحصانة الفكرية والقدرة على التمييز، لأن مستقبل المجتمعات لن يتحدد بما تمتلكه من تقنيات فحسب، بل بما تمتلكه من وعي يحسن توظيف تلك التقنيات في خدمة الحقيقة والإنسان.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الفن… حين تتكلم الأرواح ويزهر الصمت

  مزنة بنت سعيد البلوشية كاتبة عُمانية الكتابة ليس الفنُّ لونًا يُسكب على لوحة، ولا قصيدةً تُكتب ثم تُطوى بين دفتي كتاب، ولا لحناً يعبر الأذن ثم يرحل. الفنُّ حياةٌ أخرى تُولد في داخل الإنسان، وحين تضيق الكلمات عن حمل ما في القلب، يتقدم الفن ليقول كل ما عجز اللسان عن البوح به. هو لغة الأرواح التي لا تحتاج إلى ترجمان، ورسالة القلوب التي تؤمن بأن…

بين الحضور والغياب… هناك من يسكن القلب

بقلم / عبد الله شراحيلي ليست كل العلاقات تُقاس بطول الأيام، ولا كل المودة تُقاس بكثرة اللقاءات. فهناك أشخاص يمرون في حياتنا كنسمةٍ عابرة، يتركون أثرًا طيبًا ثم يمضون، وهناك آخرون يغيبون عن أعيننا، لكنهم يبقون مقيمين في أعماق أرواحنا، لا تزعزعهم المسافات ولا تمحوهم السنون. إن أجمل العلاقات هي تلك التي لا تحتاج إلى تبرير دائم، ولا إلى حضورٍ متواصل لتبقى حيّة. علاقةٌ أساسها الصدق،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

ترويقة صباح 

ترويقة صباح 

صباح بلغة الحب 

صباح بلغة الحب 

أصبوحتي

أصبوحتي

الفن… حين تتكلم الأرواح ويزهر الصمت

الفن… حين تتكلم الأرواح ويزهر الصمت

“كلية علوم الطيران العالمية” تحتفي بتخريج 1611 خريجًا وخريجة بالرياض 

“كلية علوم الطيران العالمية” تحتفي بتخريج 1611 خريجًا وخريجة بالرياض 

الذكاء الاصطناعي بين صناعة المعرفة وصناعة الوهم

الذكاء الاصطناعي بين صناعة المعرفة وصناعة الوهم

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode