الأبوة ليست نسبًا… إنها مسؤولية

 

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي

هناك دروس لا تُعلِّمها المدارس، ولا تمنحها الجامعات، بل تصنعها الحياة. ومن أهم تلك الدروس أن يدرك الإنسان معنى الأب الحقيقي.

كثير من الشباب يظنون أن الأب هو من أنجب فقط، بينما الحقيقة أن الأبوة أوسع من ذلك بكثير. فالأب هو من يربي، ويحتوي، ويخاف، ويسهر، ويمنح من عمره وصحته وراحته حتى يرى أبناءه في خير.

ومن المواقف التي تتكرر في مجتمعاتنا، أن يقع خلاف بين زوجين، فيقف الأب أو من قام مقامه إلى جانب ابنته، لا رغبة في تأجيج الخلاف، وإنما حرصًا على كرامتها واستقرارها. فإذا عاد الزوج معتذرًا، فلا أحد يرفض الصلح متى كان قائمًا على الاحترام وحسن النية.

لكن ما يؤلم حقًا ليس الصلح، وإنما أن يبقى ذلك الأب آخر من يعلم.

قد يكون اتصال هاتفي لا يستغرق دقيقة، أو رسالة قصيرة تقول: “اطمئن… عدت إلى بيتي مع زوجي بعد أن انتهى الخلاف.” كافيًا لأن يطمئن قلبٌ ظل منشغلًا، وأن يمنع موقفًا محرجًا كان يمكن تجنبه.

وقد يعتذر البعض قائلًا: كنت مريضًا، أو كان الهاتف بعيدًا عني، وهي أعذار قد تكون صادقة، لكن يبقى السؤال: ألم يكن من الممكن، بمجرد الخروج من المنزل، إرسال كلمة تطمئن من كان يحمل همَّك ويخشى عليك؟ فليس المقصود مراقبة أحد، وإنما حفظ مشاعر إنسان كان يعتقد أنه مسؤول عنك حتى تلك اللحظة.

إن أكثر ما يوجع الآباء ليس الاختلاف، وإنما أن يشعروا بأنهم أصبحوا آخر من يعلم، بعد أن كانوا أول من يُستشار، وأول من يُطمأن، وأول من يفتح بابه وقلبه عند الشدائد.

وفي لحظات الغضب قد تخرج كلمات لا يقصد بها صاحبها سوى التعبير عن ألمه، لكنها تُفهم على غير معناها، بينما الحقيقة أن المحبة لا تُقاس بكلمة عابرة، بل تُقاس بسنوات من العطاء.

فالذي يخاف عليك من برد الشتاء وحر الصيف، والذي يسهر إذا مرضت، ويفرح لفرحك، ويحزن لحزنك، ليس مجرد قريب، بل أبٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حتى وإن لم تجمعكما رابطة الدم.

إن الأبوة ليست شهادة ميلاد، بل موقف يتكرر كل يوم. هي تضحية، واحتواء، وصبر، ومسؤولية، وقلب يظل مفتوحًا مهما كبر الأبناء.

ورسالة هذا المقال إلى الجيل الجديد هي: لا تبخلوا على من رباكم بكلمة تطمئنهم، أو اتصال يريح قلوبهم، أو تقدير لمشاعرهم. فربما كانت دقيقة واحدة من وقتكم كفيلة بأن تمنع ساعات من القلق، أو موقفًا من الحرج، أو جرحًا في قلب إنسان لم يعرف من الأبوة إلا العطاء.

الخاتمة

ولعل أجمل ما نختم به أن الأبوة ليست كلمة تُقال، ولا صفة تُكتسب بالولادة، وإنما رسالة يعيشها الإنسان كل يوم. فقد يمنحك أحدهم اسمه، لكن غيره يمنحك عمره، ووقته، وراحته، وقلبه.

فلا تجعلوا انشغال الحياة ينسيكم من انتظر عودتكم، وقلق لتأخركم، وسهر من أجل راحتكم. كلمة اطمئنان، أو اتصال قصير، أو رسالة صادقة، قد تعني عند قلبٍ محب أكثر مما تتصورون.

ليس كل من أنجب أبًا، وليس كل من ربّى والدًا بالدم، لكن الأبوة الحقيقية تُقاس بحجم الحب، وبقدر الخوف، وبسنوات العطاء التي لا تنتظر مقابلًا.

فهنيئًا لكل من حمل معنى الأبوة في قلبه، وهنيئًا لكل ابنٍ أو ابنة عرفا قيمة من ربّاهما، قبل أن يكتشفا بعد فوات الأوان أن بعض القلوب لا تطلب من الحياة سوى أن يطمئن عليها من أحبّتهم.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

احبك وكفى اعشقك وكفى

  دكتور_حسن_الأمير إن الطوفان الروحي الذي يبعثه العشق في كينونة الذات ليس مجرد حكاية عابرة يخطها الزمن على هامش الأيام بل هو المحرك الأول الذي تنفكّ عنده مغاليق الوجود……… فالعاشق حين يخطو خطوته الأولى في وادي الوجد لا يعود ينظر إلى الكون بعينين من طين بل تنبعث في باطنه البصيرة الأزلية التي ترى الأشياء في حقيقتها العارية من الزيف…….. إنها اللحظة التي تدرك فيها الروح أن…

زوجة بكامل زينتها ومشاعرها في ليلة طلاقها!

محمد فريح الحارثي لواء متقاعد تمر بنا في حياتنا الاجتماعية قصص عن الخلافات الزوجيه المؤلمة، ورغم قساوتها على النفس إلا أننا نجد فيها دروس عجيبة في مدرسة الحياة الزوجية. ومن بين ما وقفتُ عليه بنفسي في بعض قضايا الإصلاح، قصة زوجة عانت طويلاً من قسوة زوجها وجفاف طباعه، وفي يوم من الأيام، بلغ الخلاف ذروته، فطلقها الزوج في لحظة غضب عارمة وقال لها بصرامة: “إنقلعي إلى…

لقد فاتك ذلك

برعاية معالي وزير السياحةالهيئة السعودية للسياحة تختتم ورشة عمل برنامج شتاء السعودية 2026

برعاية معالي وزير السياحةالهيئة السعودية للسياحة تختتم ورشة عمل برنامج شتاء السعودية 2026

رئاسة الشؤون الدينية توضح خطيبا الجمعة في الحرمين الشريفين ليوم بعد غد الجمعة 12 جمادى الأولى 1448هـ 

رئاسة الشؤون الدينية توضح خطيبا الجمعة في الحرمين الشريفين ليوم بعد غد الجمعة 12 جمادى الأولى 1448هـ 

لأول مرة مهرجان أفلام سينما عوالم عربية ودي-كاف يقومون بحفظ وترميم أرشيف السينما العربية بالمعهد الفرنسي

لأول مرة مهرجان أفلام سينما عوالم عربية ودي-كاف يقومون بحفظ وترميم أرشيف السينما العربية بالمعهد الفرنسي

منح الطوهري درجة الدكتوراة

منح الطوهري درجة الدكتوراة

بحضور محافظ قلوة علي بن أحمد الشهري.. مبادرة «لك مكان» تعزز تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة

بحضور محافظ قلوة علي بن أحمد الشهري.. مبادرة «لك مكان» تعزز تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة

احبك وكفى اعشقك وكفى

احبك وكفى اعشقك وكفى

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode