بقلم د/ معدي حسين علي آل حيه
بحكم عملي في التوجيه الطلابي، وحرصي على متابعة ما يُسهم في بناء شخصية الأبناء والطلاب، اخترت أن أكتب في هذا المقال عن موضوع يهم الآباء والمربين، مستلهمًا مادته من أحد المواقع المتخصصة في التربية؛ لما يحمله من رسائل تربوية عميقة تمس واقعنا اليوم.
فكل مربٍّ يسعى إلى غرس الإيمان والأخلاق والقيم في نفوس من تحت يده، ويبذل في ذلك وقته وجهده، لكنه قد يقع – من حيث لا يشعر – في خطأ تربوي يحول دون تحقيق هذا الهدف، حين ينتقل من بناء العقول إلى تقييدها، ومن تنمية التفكير إلى صناعة التبعية.
وغالبًا لا يكون هذا الخطأ بسوء قصد، وإنما بدافع الحرص على الأبناء، أو الخوف عليهم من الوقوع في الخطأ، أو الرغبة في سرعة الوصول إلى النتائج. فيكثر التوجيه المباشر، وتضيق مساحة التفكير والاجتهاد، حتى يعتاد المتربي انتظار الإجابة بدل البحث عنها، والتقليد بدل إعمال العقل.
ولا يُقصد بالحجر على العقول ترك التوجيه أو فتح الباب لكل رأي، وإنما المقصود حرمان المتربي من ممارسة التفكير والتأمل والاستدلال واتخاذ القرار في دائرة ما أباحه الشرع. فالإسلام دين يدعو إلى التفكر والتدبر، ويربي المسلم على اتباع الدليل، لا على تعطيل العقل.
صور من الحجر غير المقصود على العقول
من أبرز الممارسات التي قد يقع فيها بعض المربين:
التضجر من كثرة أسئلة الأبناء، مع أن السؤال هو مفتاح الفهم والعلم.
إلزام المتربي برأي واحد في المسائل الاجتهادية دون تعليمه كيفية النظر في الأدلة.
الاعتماد على التلقين والحفظ دون تنمية مهارات الفهم والتطبيق.
السخرية من الأسئلة أو الأفكار، مما يقتل روح المبادرة ويزرع الخوف من المشاركة.
المبالغة في الخوف من وقوع المتربي في الخطأ، فيُمنع من التجربة واكتساب الخبرة.
كثرة الأوامر مع غياب الحوار والإقناع.
اتخاذ جميع القرارات نيابة عن المتربي، فينشأ ضعيفًا في تحمل المسؤولية.
المقارنة المستمرة بالآخرين، فتضعف ثقته بنفسه وينشغل بإرضاء الناس.
مؤشرات تستحق الانتباه
قد يبدو المتربي منضبطًا ومطيعًا، لكن هناك علامات تكشف ضعف استقلالية التفكير، منها:
قلة طرح الأسئلة.
التردد في اتخاذ أي قرار دون الرجوع للمربي.
توقف المبادرة والعمل عند غياب المربي.
الخوف من إبداء الرأي أو مناقشة الأفكار.
التربية النبوية تبني العقول
لقد قدمت التربية النبوية نموذجًا فريدًا في صناعة الشخصية الواعية، فلم تكن تربي على التقليد الأعمى، وإنما على الفهم والاجتهاد. ومن الشواهد المشهورة ما وقع في غزوة بني قريظة، حين اختلف الصحابة رضي الله عنهم في فهم توجيه النبي ﷺ، فاجتهد كل فريق بحسب ما ظهر له من الدليل، فأقرهم النبي ﷺ جميعًا، تأكيدًا لقيمة الاجتهاد الصحيح وحسن الفهم.
كيف نصنع عقلًا واعيًا؟
يمكن للمربي أن يسهم في بناء شخصية مستقلة ومتوازنة من خلال:
الترحيب بالأسئلة وجعلها مدخلًا للتعلم.
تعليم الأبناء كيف يفكرون، لا الاكتفاء بإخبارهم ماذا يفكرون.
فتح باب الحوار والاستماع للرأي ثم توجيهه بالدليل.
منحهم فرصًا لاتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
السماح بالتجربة في الأمور التي تحتمل الخطأ.
ربطهم بالقرآن الكريم والسنة النبوية ليكون الدليل هو المرجع الأول.
كلمة أخيرة
إن نجاح المربي لا يقاس بمدى تعلق المتربي به، وإنما بقدرته على إعداد إنسان يعبد الله على بصيرة، ويملك عقلًا واعيًا، ويزن الأمور بالعلم، ويستطيع أن يسير على طريق الحق بثبات حتى في غياب مربيه.
فالمربي الناجح لا يصنع أتباعًا، بل يصنع شخصيات مؤمنة، واعية، قادرة على التفكير السليم، واتخاذ القرار الصحيح، وحمل المبادئ التي تنفعها في دينها ودنياها.






