المربي بين العاطفة والحكمة.. حين تتحول الرحمة إلى عائق تربوي

بقلم د/معدي حسين علي آل حيه 

بحكم عملي موجهًا طلابيًا، وحرصي على تناول الموضوعات التي تلامس واقع الآباء والمربين، اخترت أن أشارك بهذا الطرح التربوي المستفاد من أحد المواقع المتخصصة في التربية، لما يحمله من رسائل مهمة تسهم في تصحيح بعض المفاهيم التربوية وتعزيز الممارسات التي تبني الشخصية المتوازنة.

تؤكد الخبرات التربوية أن نجاح المربي لا يقوم على الحزم وحده، كما لا يقوم على العاطفة وحدها، وإنما يتحقق من خلال الموازنة الدقيقة بين الرحمة والحكمة، وبين اللين والحزم، وبين الاحتواء والمحاسبة. وهذا هو النهج الذي جسده النبي ﷺ، فقد كان أرحم الناس بأصحابه، ومع ذلك كان يربيهم على تحمل المسؤولية، ويقوّم أخطاءهم، ويهيئهم لحمل أعباء الدعوة والحياة.

ويشير الطرح إلى أن بعض المربين قد يقعون – دون قصد – في المبالغة بالعاطفة، فيصبح همهم الأكبر المحافظة على محبتهم في قلوب طلابهم، أكثر من اهتمامهم ببناء شخصياتهم. ومع مرور الوقت قد تتحول مشاعر المودة الطبيعية إلى حاجة نفسية تجعل المربي يقيس مواقفه بمدى تأثيرها على شعبيته، لا بمدى أثرها في تربية طلابه.

ومن صور ذلك الإكثار من طلب آراء الطلاب ومدحهم، أو المبالغة في الاهتمام بالمواقف البسيطة، أو التوسع في إظهار الشفقة على المتربين، حتى يعتادوا أن كل مشكلة تحظى بردة فعل استثنائية، فينشؤون أقل قدرة على مواجهة التحديات وتحمل المسؤوليات.

كما أن الإفراط في العاطفة قد ينعكس على أسلوب المربي فيضعف حزمُه، ويتردد في المحاسبة، ويتساهل في بعض الأخطاء، ظنًا منه أن ذلك من الرحمة، بينما الرحمة الحقيقية هي التي تعين المتربي على تحمل التكاليف، وتغرس فيه الصبر والانضباط والثبات، لا التي ترفع عنه كل مشقة.

ومن الآثار التي نبه إليها المقال أن بعض الطلاب قد يتعلقون بالمربي أكثر من تعلقهم بالمبادئ التي يغرسها في نفوسهم، فإذا غاب المربي ضعفت هممهم، لأن ارتباطهم كان بالشخص لا بالرسالة، وهو أمر يتنافى مع المقصد التربوي الأصيل الذي يهدف إلى بناء الإنسان المستقل بثباته على الحق.

ويخلص المقال إلى أن المربي الناجح ليس من يكثر محبوه، وإنما من يخرج أجيالًا قادرة على تحمل المسؤولية، ثابتة على المبادئ، متمسكة بدينها، تسير إلى الله عز وجل سواء كان مربيها حاضرًا أم غائبًا. فالحب الصادق للمتربي لا يعني تدليله، وإنما إعداده لمواجهة الحياة بالإيمان والعلم والصبر، وهو الميزان الذي جاءت به الشريعة، وطبقه خير المربين محمد ﷺ.

إن التربية الناجحة لا تُقاس بحجم العاطفة وحدها، بل بقدرة المربي على صناعة شخصية متوازنة، تجمع بين قوة الإيمان، وحسن الخلق، وتحمل المسؤولية، ليكون أثر التربية باقيًا في النفوس، لا مرتبطًا بحضور الأشخاص.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

إسماعيل عليه السلام.. نبيُّ الصبر والوفاء والطاعة

بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حية تتجلى في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دروس عظيمة في الإيمان والصبر والطاعة والتوكل على الله، ومن تلك القصص المباركة قصة نبي الله إسماعيل عليه السلام، الذي ضرب أروع الأمثلة في الصبر والوفاء بالوعد والاستجابة لأمر الله تعالى، فكانت سيرته نموذجًا خالدًا في الثبات على الحق وحسن التوكل على الله. نسبٌ كريم ونشأةٌ مباركة إسماعيل عليه السلام هو ابن…

كسر جذوره وقدم رواءه

دكتور حسن الأمير نقف في منتصف المسافة بين المقصلة والوعاء نرقب بأعين مذهولة يدًا تمسك بالفأس في يمينها وتبسط بيسارها جدولًا من ماء…….. إنه الفصام الوجودي في أبشع تجلياته أن يبتر المرء الأصل ثم يطالب الثمر بأن ينضج وأن يجتث العرق المغذي ثم يتساءل في دهشة مصطنعة عن سر الجفاف……… هذا العالم لا يعاني من شح الينابيع بل يعاني من لوثة الفؤوس التي تضرب في عمق…

لقد فاتك ذلك

إسماعيل عليه السلام.. نبيُّ الصبر والوفاء والطاعة

إسماعيل عليه السلام.. نبيُّ الصبر والوفاء والطاعة

كسر جذوره وقدم رواءه

كسر جذوره  وقدم رواءه

تأصيل الهوية الوطنية.. مشروع دولة لصناعة الجيل القادم

تأصيل الهوية الوطنية.. مشروع دولة لصناعة الجيل القادم

برنامج الربط الجوي يختتم مشاركته في «مسارات العالم 2026» بفرانكفورت بأكثر من 65 اجتماعًا

برنامج الربط الجوي يختتم مشاركته في «مسارات العالم 2026» بفرانكفورت بأكثر من 65 اجتماعًا

تأصيل الهوية الوطنية.. مشروع دولة لصناعة الجيل القادم

تأصيل الهوية الوطنية.. مشروع دولة لصناعة الجيل القادم

الأغر يتغلب على بجيلة بهدفين مقابل هدف.. والعثيمين يشيد بجهود الفريق

الأغر يتغلب على بجيلة بهدفين مقابل هدف.. والعثيمين يشيد بجهود الفريق

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode