بقلم د معدي حسين علي آل حيه
في ظل التحديات التربوية المتجددة، تبقى الحاجة ملحة إلى ترسيخ المبادئ التي تجمع المربين على منهج واحد، مهما اختلفت أساليبهم وشخصياتهم. وبحكم عملي موجهًا طلابيًا، اخترت أن أكتب في موضوع يهم الآباء والمربين، مستفيدًا من مادة علمية منشورة في موقع يُعنى بالتربية، مع إعادة صياغتها بأسلوب صحفي يبرز أهميتها ويقرب مضامينها إلى القارئ.
تؤكد التجارب التربوية أن اختلاف شخصيات المربين أمر طبيعي؛ فمنهم الحازم، والهادئ، والمرح، والعاطفي، والجريء، والخجول، وهذا التنوع يثري العملية التربوية ولا ينتقص منها. غير أن نجاح التربية لا يقوم على اختلاف الطباع، بل على وجود قواسم مشتركة يلتزم بها الجميع، حتى لا تتحول التربية إلى اجتهادات شخصية تختلف باختلاف المربي.
ويُقصد بـ”القدر المشترك بين المربين” مجموعة الصفات والضوابط والسلوكيات التي ينبغي أن يتحلى بها كل مربي، بغض النظر عن أسلوبه الخاص، لتبقى شخصية المربي وسيلة لخدمة التربية لا مبررًا للتقصير فيها.
ومن أبرز الأخطاء التي قد يقع فيها بعض المربين أن يجعلوا طباعهم الشخصية مبررًا لممارسات غير تربوية؛ فيعتذر أحدهم عن كثرة المزاح بطبيعته المرحة، أو يبرر القسوة بحزمه، أو يعلل جرح المشاعر بصراحته. بينما التربية الناجحة تقوم على تهذيب الطباع وتوجيهها بما يحقق مصلحة الأبناء والطلاب.
ويبرز الاعتدال بوصفه السمة الأهم في العمل التربوي؛ فالجد مطلوب في مواطن التعليم والتوجيه، كما أن البشاشة واللطف ضرورة في الأنشطة والمواقف الاجتماعية. كذلك فإن الرحمة لا تعني ترك الأخطاء دون معالجة، كما أن الحزم لا ينبغي أن يتحول إلى قسوة تنفر الطلاب، وإنما يجتمع اللين والحزم وفق ما تقتضيه الحكمة، وهو المنهج الذي جسده النبي محمد ﷺ في تعامله مع أصحابه.
كما تؤكد المادة العلمية أن الحكمة هي الأساس الذي يضبط تصرفات المربي، فلا ينظر إلى المواقف بمنظار الشدة أو اللين وحدهما، وإنما يختار الأسلوب الأنسب لكل موقف، تحقيقًا للمصلحة التربوية.
وتزداد أهمية هذا “القدر المشترك” عندما يتعامل الطالب مع أكثر من مربي؛ فالاتفاق على الأصول التربوية يمنح الطالب بيئة مستقرة ورسائل موحدة، ويعزز الثقة بالمؤسسة التربوية، بعيدًا عن التناقض في الأساليب والتوجيهات.
ولتحقيق هذا الهدف، يشير المختصون إلى أهمية التأصيل العلمي في التربية، ومحاسبة المربي لنفسه بعد كل موقف، إلى جانب التناصح الصادق بين المربين، بما يسهم في تصحيح الأخطاء وتعزيز جوانب القوة، ويصنع فريقًا تربويًا متوازنًا يعمل بروح واحدة.
ختامًا، فإن تربية الأبناء ليست مرهونة بتميز شخصية مربي على آخر، وإنما تقوم على اجتماع الجميع على أصول تربوية راسخة، يكون فيها الحزم منضبطًا بالرحمة، واللين مقترنًا بالحكمة، لتثمر جيلاً صالحًا، واثقًا، ومتزنًا، يسهم في خدمة دينه ووطنه ومجتمعه.






