حين أثبت العلم ما أخبر به القرآن

 

بقلم: أحمد علي بكري

ظل القلب لقرون طويلة يُنظر إليه في التصور الطبي الحديث باعتباره مضخة عضلية مهمتها دفع الدم إلى أنحاء الجسم، بينما أُسندت وظائف العقل والإدراك والتفكير والوعي بصورة حصرية إلى الدماغ والجهاز العصبي المركزي. غير أن التطور الكبير في علوم الأعصاب وعلم وظائف الأعضاء كشف خلال العقود الأخيرة صورة أكثر تعقيدًا؛ فقد أظهرت أبحاث طب الأعصاب القلبي (Neurocardiology) أن القلب يمتلك جهازًا عصبيًا داخليًا معقدًا، يضم آلاف الخلايا العصبية ويشارك في استقبال المعلومات ومعالجتها وتنظيم وظائف القلب، كما يتواصل بصورة مستمرة مع الدماغ عبر شبكة من الإشارات العصبية والكهربائية والهرمونية.

ومن أبرز من أسهموا في دراسة هذه المنظومة عالم الفسيولوجيا الكندي J. Andrew Armour، الذي نشر عام 1991 دراسة حول Intrinsic Cardiac Neurons، تناول فيها العصبونات الموجودة داخل القلب ودورها في تنظيم وظائفه. ومع تطور الأبحاث، أصبح معروفًا أن القلب لا يستقبل أوامر الدماغ فحسب، بل يرسل إليه أيضًا إشارات حسية مستمرة، خصوصًا عبر العصب الحائر (Vagus Nerve)، بما يجعل العلاقة بين القلب والدماغ ثنائية الاتجاه. وتشكل هذه الأبحاث أساس مفهوم محور القلب والدماغ (Brain–Heart Axis)، الذي يدرس التفاعل المستمر بين نشاط القلب والعمليات العصبية والانفعالية.

وتكشف أبحاث الإحساس الداخلي Interoception أن الدماغ يستقبل معلومات متواصلة من الأعضاء الداخلية، ومن بينها القلب، وأن هذه المعلومات تدخل في معالجة الانفعال والانتباه والإدراك. كما تناولت دراسات النشاط الدماغي المرتبط بضربات القلب، والمعروف بـ Heartbeat-Evoked Potential، كيفية معالجة الدماغ للإشارات القادمة من القلب وعلاقتها بالاستثارة والانتباه. وفي دراسة نشرت عام 2015 في Scientific Reports، بحث Luft وBhattacharya العلاقة بين الاستثارة ومعالجة الإشارات المرتبطة بنبض القلب في الدماغ.

ولم يتوقف الأمر عند المشاعر؛ فقد اتجهت أبحاث حديثة إلى دراسة تأثير الدورة القلبية في بعض العمليات السلوكية والمعرفية. ففي دراسة نشرها Kenta Kimura وNoriaki Kanayama وKentaro Katahira عام 2023 في Biological Psychology، بحث الباحثون تأثير مرحلة الدورة القلبية في اتخاذ القرارات المرتبطة بالمخاطرة، بما يعزز الفكرة القائلة إن الحالة الفسيولوجية للقلب تدخل في منظومة التفاعل بين الجسد والدماغ والسلوك.

ولا تقتصر وظائف القلب على النشاط العصبي، إذ يمتلك أيضًا وظائف إفرازية وهرمونية؛ فهو ينتج مواد مثل الببتيد الأذيني المدر للصوديوم ANP الذي يشارك في تنظيم ضغط الدم وتوازن السوائل. كما أظهرت أبحاث تجريبية وجود الأوكسيتوسين وآليات مرتبطة به في نسيج القلب لدى النماذج الحيوانية، ما فتح مجالًا لدراسة الدور الكيميائي للقلب في التفاعلات الفسيولوجية المرتبطة بالسلوك والانفعال.

ومن أكثر الموضوعات إثارة ما يعرف بـ الذاكرة الخلوية (Cellular Memory)، فقد ظهرت تقارير عن تغيرات في شخصية بعض الأشخاص بعد زراعة القلب، شملت تغيرات في بعض التفضيلات والميول والسلوك. وناقش الباحث Mitchell B. Liester عام 2019 في دراسة بعنوان Personality Changes Following Heart Transplantation: The Role of Cellular Memory فرضية الذاكرة الخلوية وإمكان ارتباطها بالتغيرات التي أبلغ عنها بعض متلقي زراعة القلب، الأمر الذي فتح بابًا بحثيًا مثيرًا حول العلاقة بين الخلايا والذاكرة والهوية الشخصية.

وفي المقابل، فإن أهم ما يلفت النظر عند قراءة هذه الاكتشافات هو ما جاء به القرآن الكريم قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا؛ إذ لم يربط القلب بالمشاعر وحدها، بل ربطه صراحة بالعقل والفقه، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]، وقال سبحانه: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179]، ثم أكد أن هذه القلوب هي ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

وهذه التعبيرات القرآنية تكتسب اليوم دلالة لافتة في ضوء ما كشفه العلم الحديث عن وجود شبكة عصبية داخل القلب، وعن الاتصال المستمر والمتبادل بين القلب والدماغ، وعن وصول الإشارات القلبية إلى الدماغ وتأثيرها في بعض جوانب الانفعال والانتباه والإدراك والسلوك. فالقرآن لم يقدم القلب بوصفه مجرد مضخة، بل تحدث عنه في سياق العقل والفقه والبصيرة، في زمن لم تكن فيه لدى الإنسان وسائل علمية تمكنه من معرفة العصبونات القلبية أو العصب الحائر أو محور القلب والدماغ أو الإشارات الصاعدة من القلب إلى الجهاز العصبي المركزي.

إن الصورة التي يرسمها العلم الحديث للقلب أصبحت أكثر اتساعًا من التصور الميكانيكي القديم؛ فالقلب عضو عضلي وعصبي وكهربائي وهرموني، يتبادل المعلومات مع الدماغ بصورة مستمرة، وتتأثر حالته بالانفعالات كما تدخل إشاراته في منظومة معالجة الدماغ للمعلومات. ومن هنا تبدو الآيات القرآنية التي ربطت القلب بالعقل والفقه جديرة بالتأمل، لأنها جاءت قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا في صياغة تجعل القلب جزءًا من منظومة الإدراك الإنساني.

لقد احتاج العلم الحديث إلى قرون طويلة من البحث حتى يكشف أن القلب ليس مجرد مضخة صامتة، وأن بينه وبين الدماغ حوارًا عصبيًا وفسيولوجيًا مستمرًا، بينما قال القرآن منذ أربعة عشر قرنًا: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ و**﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾**. وفي هذا التوافق بين النص القرآني وما تكشفه الدراسات الحديثة تتجلى واحدة من القضايا التي تدعو إلى التأمل في سبق القرآن إلى الإشارة إلى حقائق لم يكن الإنسان في زمن نزوله قادرًا على اكتشاف تفاصيلها العلمية.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

غسق

محمد باجعفر قالت: وأنت مارج من نار تعيد رسمي بنار أبدية تمر في خاطري فتشتعل الجهات وأمد يدي إلى غيابك كأن للحنين جمرًا يمكن الإمساك به ​يا رجلًا كلما حاولت كتابته احترق طرف الورقة ماذا فعلت بصوتي؟ كنت أعرف كيف أقول اسمي، وكيف أعبر الليل وحدي الآن أتوقف عند أول حرف منك وتضيع مني بقية اللغة. ​أحبك بقلق امرأة تخبئ عاصفة في صدرها وتبدو هادئة حد…

ما يتأخر ظهوره لا يعني أنه لم يكن موجوداً

  كاتبة رأي ايمان المغربي قد يمضي الإنسان سنوات وهو يحمل فكرة يؤمن بها أو قدرة يعرفها في نفسه دون أن يجد المجال الذي يمنحها فرصة حقيقية للظهور ينشغل بواجباته ومسؤولياته وتبقى بعض جوانبه في مساحة خاصة لا يلتفت إليها كثيراً من حوله ثم تأتي مرحلة مختلفة من حياته فتتاح له فرصة لم تكن متوفرة من قبل فيبدأ ما لديه بالخروج إلى النور ليس كل ما…

لقد فاتك ذلك

الأربعاء المقبل.. انطلاق مهرجان المنتجات التحويلية الزراعية بدومة الجندل في نسخته الرابعة

الأربعاء المقبل.. انطلاق مهرجان المنتجات التحويلية الزراعية بدومة الجندل في نسخته الرابعة

غسق

غسق

ما يتأخر ظهوره لا يعني أنه لم يكن موجوداً

ما يتأخر ظهوره لا يعني أنه لم يكن موجوداً

من الميدان يُصنع النجاح.. رؤية وطنية لخدمة الإنسان وبناء الأوطان

من الميدان يُصنع النجاح.. رؤية وطنية لخدمة الإنسان وبناء الأوطان

١٤ مدرسة بتعليم الطائف تحصد التميز على مستوى المملكة 

١٤ مدرسة بتعليم الطائف تحصد التميز على مستوى المملكة 

كانت مجرد غواية

كانت مجرد غواية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode