تاريخٌ يُكتب بأثر الصلاح: كيف امتدت سيرة ‘فهد جار النبي’ في ملامح أولاده؟

 

✍️محمد فريح الحارثي

لواء متقاعد

في تفاصيل حياتنا اليومية اعتدنا تلبية دعوة مناسبة لواجب اجتماعي ؛ حفل تخرج، وتهاني تتكرر، وبروتوكول مألوف تبلدنا عليه.

لكنك ما إن تطأ قدمك المكان، حتى تشعر بتلك الرعشة الدافئة التي تصيب المرء عندما يلمس شيئاً حقيقياً يفوق الترتيب البشري.

ليلة البارحة مناسبة تخرج الملازم محمد بن فهد جار النبي الحارثي لم تكن حفلاً عادياً في نظري ، كانت لحظة مكاشفة إنسانية عميقة.

فالأمر هناك تجاوز فكرة التنظيم الأنيق والضيافة التي تتدفق بكرم؛ فكل هذه قشور يمكن للمال والجهد أن يصنعاها.

ولكن ما التقطته عيناي كان شيئاً لا يُشترى: ذلك التلاحم الصادق الذي تشعر معه بأثير موجات الفخر تحيط بك من كل جانب، إخوة وأبناء عمومة وقبيلة يقفون كتفاً بكتف، ليس لاستعراض القوة، بل لتقديم مشهد من تلك الوطنية السعودية الصادقة التي تسري في العروق بلا زيف من تلك الحفاوة والترحيب وبشاشة الاستقبال وكرم الضيافة.

وسط تلك الاجواء والجموع الحاضرة، ثمة لحظة واحدة صامتة اختزلت المشهد بأكمله، لحظة أعادت تقوية درجة الايمان داخل الوجدان وجعلتني أتأمل عطاء الله عز وجل .حين ترى أبناء رجل رحل عن الدنيا، يحصدون النجاح والتوفيق والمحبة من الناس، تدرك على الفور أن المصادفات لا تبني بيوتاً مستقرة، وأن ما نراه اليوم ليس سوى الارتداد الجميل لغرس قديم. هذا التميز هو ثمرة أب صالح ولا نُزكيه على الله ذهب وبقيت سيرته الطيبة؛ سلالة نبتت في بيت الصلاح كابر عن كابر نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله ، بيت الكرم، والتواضع. بيتٌ سكنه ناسٌ عُرفوا بين الناس بأنهم لهم من لقبهم نصيب “جيران النبي”.لقد كان رجل الاعمال “فهد بن جار النبي” رحمه الله يسير في الحياة تاركاً وراءه أثراً غير مرئي، يداً بيضاء تمتد في عتمة الحاجة، ومواقف إنسانية لا تطلب تصفيقاً. غادرنا فهد، لكنه ترك سره الخفي وراءه. هذا الصلاح والتوفيق الذي يحيط بأولاده اليوم هو الصندوق الابيض الذي كشف لنا ما كان بينه وبين الله ولا نزكيه على الله، لتجد نفسك تردد تلقائياً في صدرك تلك الآية التي تلخص حكاية العطاء الإلهي: “وكان أبوهما صالحاً”.كثيراً ما يصيبنا التبلد من تكرار المناسبات، ونمضي إليها بأجسادنا دون قلوبنا، لكن ليلة البارحة أيقظت شيئاً كان نائماً في الأعماق. لم يكن “فهد” غائباً البارحة؛ لقد رأيته بوضوح في دعوات اخوانه أبناء جار النبي ووجدته في ذكر أصحابه ودعواتهم المباركة، وفي ملامح أبنائه التي ينطق منها التوفيق لا قوة الا بالله.

هنيئاً للأبناء هذا العرس الذي يمتزج فيه الفخر بالوطن ببر الوالدين، وهنيئاً لـ “فهد” في قبره؛ فقد زرع في أرض الإنسانية بذرة طيبة، تحولت اليوم إلى شجرة وارفة تمنح أهله فخراً حياً لا يموت.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

المرأة السعودية.. شريكٌ أصيل في صناعة التنمية

  بقلم : الاعلاميه والمستشار ه آمال مطر في اليوم الوطني.. من مكة المكرمة كلمة وفاء لوطنٍ نعتز به في اليوم الوطني السعودي لا نحتفي بتاريخ وطنٍ فحسب بل نستحضر حكاية إنسان ومسيرة عطاء وذاكرة مكانٍ تتجدد فيها مشاعر الوفاء والانتماء ومن مكة المكرمة حيث تتعانق قدسية المكان مع عراقة التاريخ تأتي مشاركتي في هذه المناسبة الوطنية بكلمة تحمل في مضمونها تقديرًا لكل من أسهم في…

المملكة التي تكتب زمنها

  بقلم المستشار/ مازن آل ظافر في مطارٍ بعيد، تقول كلمة عابرة، فيضحك من حولك شخصٌ واحد، قبل أن تكتمل عبارتك. تلك اللحظة هي الوطن: أن تجد من يفهم الإشارة والنبرة قبل أن تشرحها، ويعرف لماذا قلتها بهذه الطريقة، وما الذي حملته الكلمة وراء معناها الظاهر. نعرفه في أشياء صغيرة تكبر معنا. في استقبال الضيف، وفنجان القهوة الذي يسبق السؤال، ومجلسٍ يطول لأن الألفة وجدت فيه…

لقد فاتك ذلك

قيادة المنطقة الشمالية تحتفي باليوم الوطني بمدينة الملك خالد العسكرية

قيادة المنطقة الشمالية تحتفي باليوم الوطني بمدينة الملك خالد العسكرية

في إطار احتفالات الوطن باليوم الوطني 96.. النجعي يزور جمعية تراث الخرج

في إطار احتفالات الوطن باليوم الوطني 96.. النجعي يزور جمعية تراث الخرج

المرأة السعودية.. شريكٌ أصيل في صناعة التنمية

المرأة السعودية.. شريكٌ أصيل في صناعة التنمية

جازان تحتفي بالوطن في ليلة وطنية جميلة

جازان تحتفي بالوطن في ليلة وطنية جميلة

عشق مقدس

عشق مقدس

المملكة التي تكتب زمنها

المملكة التي تكتب زمنها

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode