للظلم وجوه لا نراها

ايمان المغربي

الظلم له صور كثيرة وليس دائما في المال

حين نسمع كلمة الظلم يذهب تفكيرنا غالبا الى شيء اخذ من انسان او حق واضح يستطيع الناس رؤيته ومعرفته لكن هناك صورا اخرى لا ننتبه اليها بسهولة فقد يكون هناك جهد بذله انسان ولم نعرف كم اخذ منه من وقت وقد تكون هناك فكرة جاءت بعد محاولات كثيرة وقد تكون هناك كلمة فتحت لشخص اخر بابا جديدا في التفكير

فالنتيجة التي نراها لا تخبرنا دائما بما سبقها خلف بعض الاعمال وقت من المحاولة والتجربة والتعديل وقد يغير الانسان طريقته اكثر من مرة ويتعلم من تجربة لم تنجح معه ثم يبدأ من جديد حتى يصل الى ما يريد ولهذا من المهم ان ننتبه الى ما وراء العمل لا الى صورته الاخيرة فقط

والافكار ايضا لها بدايات قد تبدأ من قراءة او حوار او تجربة او موقف بسيط ثم يكمل الانسان طريقه بالبحث والتجربة ويضيف من معرفته حتى يصل الى فكرة او عمل يحمل طريقته الخاصة وهذا امر طبيعي في التعلم فنحن نسمع ونقرأ ونشاهد ثم نستخدم ما تعلمناه في حياتنا

لكن عندما تكون هناك فكرة كانت هي البداية فمن الجميل ان يتذكر الانسان صاحبها فالتطوير لا يلغي البداية والاضافة لا تلغي فضل من فتح الطريق ومن بدأ الفكرة له فضل البداية ومن طورها له جهده ومن اضاف اليها له بصمته وكل مرحلة لها مكانها

وهذا لا يحد من الابداع فالانسان لا يحتاج الى ان يبدأ من الصفر حتى يقدم شيئا جديدا ويمكنه ان يتعلم من غيره ثم يضيف من تجربته ويقدم ما يختلف به عن غيره دون ان ينسى ما تعلمه

وقد نتعلم من شخص كلمة او نصيحة او تجربة ثم تمضي السنوات وننسى بعض التفاصيل لكن ما تعلمناه يبقى معنا في طريقة تفكيرنا وفي قراراتنا ولهذا من الجميل ان نتذكر من كان له فضل في تعليمنا او مساعدتنا فالتقدير لا يحتاج الى كلمات كثيرة واحيانا يكفي ان يبقى الفضل محفوظا في داخل الانسان

وهناك جانب اخر لا ننتبه اليه كثيرا وهو الوقت فالوقت الذي يمنحه انسان لعمل او فكرة او مساعدة هو جزء من يومه وقد نرى نتيجة بسيطة ولا نعرف كم من الساعات كانت خلفها لذلك عندما يمنحنا شخص من وقته فمن الجميل ان ننتبه الى قيمة ما قدمه لنا

والجهد ايضا قد لا يظهر في النتيجة قد نرى عملا جاهزا ولا نعرف عدد المحاولات التي سبقته وقد نرى شيئا بسيطا ولا نعرف مقدار ما تعلمه صاحبه حتى استطاع ان يقدمه ولهذا فان تقدير جهد الناس يبدأ من عدم الاستعجال في الحكم على ما يقدمونه

وفي التعامل بين الناس هناك مساحة يحتاجها كل انسان حتى يفكر ويجرب ويقرر بطريقته وليس ضروريا ان تتشابه اراؤنا حتى نحترم بعضنا فالاختلاف يمكن ان يبقى اختلافا دون ان يتحول الى مشكلة وكل انسان يحتاج الى مساحة يحافظ فيها على طريقته في التفكير والتعبير

ومن هنا يصبح اختيار الكلام مهما فالانسان يستطيع ان يوضح رأيه دون ان يجرح غيره ويستطيع ان يختلف دون ان يقلل من الاخر ويستطيع احيانا ان يترك بعض المواقف دون نقاش طويل فليس كل اختلاف يحتاج الى رد وليس كل موقف يحتاج الى شرح

وهنا تأتي البوصلة بمعناها البسيط فالانسان قد يجد امامه اكثر من طريق لكن وجود قيم واضحة يساعده على معرفة الاتجاه الذي يريد ان يسير فيه والامانة واحدة من هذه القيم تظهر في تقدير جهد غيرنا وفي احترام وقته وفي تذكر صاحب الفكرة الاولى وفي معرفة ما تعلمناه وما اضفناه نحن

وقد يحتاج الانسان احيانا الى ان يتوقف مع نفسه ويسال ماذا تعلمت وماذا اضفت وهل قدرت ما قدمه غيري وهل اعطيت لكل شخص فضله في حياتي هذه الاسئلة لا تحتاج الى ان يسمعها احد لانها مراجعة بين الانسان ونفسه

والظلم الذي لا نراه قد يكون في تفاصيل صغيرة جهد لم ننتبه اليه او وقت لم نقدره او بداية فكرة لم نتذكر صاحبها وقد لا يكون هناك قصد للظلم لكن زيادة الانتباه لهذه التفاصيل تجعل تعاملنا اكثر تقديرا للناس واكثر حرصا على ما يقدمونه

وفي النهاية ليس المطلوب ان يعيش الانسان وهو يبحث عن الخطا في كل موقف ولا ان يحول كل اختلاف الى مشكلة المطلوب ابسط من ذلك ان نقدر ما يقدمه الاخرون وان نتذكر صاحب الفكرة الاولى عندما تكون فكرته هي التي فتحت لنا الطريق وان نضيف من معرفتنا وتجربتنا دون ان ننسى ما تعلمناه

فالفكرة قد تبدأ عند انسان ثم تتطور عند انسان اخر وقد تتغير مع التجربة حتى تصبح شيئا جديدا وهذا لا يلغي قيمة البداية كما ان البداية لا تلغي قيمة الاضافة لكل انسان دوره في الطريق ولكل جهد مكانه

وحين نفهم ذلك يصبح التعلم اكثر فائدة ويصبح الابداع مساحة يستطيع فيها كل انسان ان يقدم شيئا خاصا به دون ان ينسى ما تعلمه من غيره

فالانصاف لا يحتاج دائما الى كلام كثير قد يبدأ من انتباه بسيط الى جهد لم نره ووقت لم نعرف قيمته وفكرة كانت لها بداية عند انسان اخر ومن هنا تصبح الامانة جزءا من تعاملنا ويصبح تقدير ما يقدمه الاخرون جزءا من حسن تعاملنا معهم

فلكل فكرة بداية ولكل تجربة صاحبها ولكل انسان بصمته

صدي نيوز اس 6

Related Posts

جدائل الوفاء في حاضنة الجنوب

  جازان تصوغ ملحمة العشق الوطني بأطياف الفكر والإبداع وسيمفونية التلاحم في محراب الوطن وكيف اختصرت جهات جازان قصة عشق الأرض في ليلة الـ 96؟ دكتور حسن الأمير   حين يرتدي الوطن رداء أمجاده في يومه الوطني الـ 96 لا تعود الكلمات مجرد أحرف بل تتحول إلى نبض حي وترانيم ولاء تنبعث من جازان الأصالة والشموخ……. وفي مشهد استثنائي يفوق الوصف احتضن مقر جمعية الملك فهد…

إبراهيم البلوي.. عدسةٌ وطنية توثق المحافل المجتمعية بمهارة واحترافية

✍️محمد فريح الحارثي كاتب صحفي في عالم وسائل التواصل، يمرّ أمام شاشاتنا سيلٌ جارف من المقاطع واللقطات التي نشاهدها، لكنّ هناك مقاطع نتوقف عندها تقديراً لأصحابها. من بين تلك المقاطع، يبرز اسم صانع المحتوى والمؤثر إبراهيم البلوي؛ ليس كموثّق عابر، بل كصاحب رسالة وطنية واجتماعية تتجاوز حدود العدسة التقليدية.يملك البلوي حضوراً مميز يجمع فيه بين احترافية التغطية ودفء المشاركة الإنسانية؛ فهو حين يحضر محفلاً ما، لا…

لقد فاتك ذلك

جدائل الوفاء في حاضنة الجنوب

جدائل الوفاء في حاضنة الجنوب

الذهب يتجه لتسجيل خسائر أسبوعية مع صعود الدولار وتوقعات رفع الفائدة الأمريكية

الذهب يتجه لتسجيل خسائر أسبوعية مع صعود الدولار وتوقعات رفع الفائدة الأمريكية

الهيئة السعودية للسياحة تستعرض مقومات البحر الأحمر كوجهة عالمية لليخوت الفاخرة على مدار العام في معرض موناكو لليخوت 2026

الهيئة السعودية للسياحة تستعرض مقومات البحر الأحمر كوجهة عالمية لليخوت الفاخرة على مدار العام في معرض موناكو لليخوت 2026

الخيل والفروسية تحضران بتجربة حية في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026

الخيل والفروسية تحضران بتجربة حية في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026

المخرج السعودي الدولي عمر الجاسر أيقونة المهرجانات المسرحية والسينمائية العربية

المخرج السعودي الدولي عمر الجاسر أيقونة المهرجانات المسرحية والسينمائية العربية

انطلاق معرض Meta-GEDS  بجدة بمشاركة 34 مبتكرًا

انطلاق معرض Meta-GEDS  بجدة بمشاركة 34 مبتكرًا

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode