بقلم / عبد الله شراحيلي
ليست كل القلوب التي ترحل قد فقدت الحب، وليس كل من ابتعد قد أراد الفراق.
بعض القلوب تهاجر وهي ما تزال تحب، لكنها أرهقها الانتظار، وأتعبها السؤال، وأوجعها أن تشعر بأنها أصبحت هامشًا في حياة من كان يومًا كل الحياة.
الإهمال بين المحبين لا يأتي دائمًا على هيئة موقف كبير؛ قد يكون رسالة لم يُرد عليها، أو سؤالًا لم يُسأل، أو موعدًا تأجل مرارًا، أو اهتمامًا كان حاضرًا ثم بدأ يتناقص شيئًا فشيئًا.
وفي البداية، يمنح القلب أعذارًا كثيرة لمن يحب؛ يقول: ربما هو مشغول، ربما أتعبته الحياة، ربما لم ينتبه، وربما سيعود كما كان.
لكن المشكلة أن الأمل إذا طال انتظاره دون فعل، يتحول تدريجيًا إلى وجع.
هناك قلوب لا تطلب المستحيل؛ تريد فقط أن تشعر بأنها مهمة، أن تجد كلمة تطمئنها، واهتمامًا يؤكد لها أن مكانها ما زال محفوظًا.
ومع تكرار الإهمال، يبدأ شيء ما في داخل المحب بالتغير.
لا يكره، لكنه يتعب.
لا ينسى، لكنه يصمت.
لا يتوقف عن الحب، لكنه يتوقف عن المطالبة به.
وهنا تبدأ هجرة القلب.
يهاجر من كثرة العتاب إلى الصمت، ومن الانتظار إلى الترقب، ومن الترقب إلى اللامبالاة، حتى يصل إلى تلك المرحلة القاسية التي لا يعود فيها السؤال: «لماذا تغيرت؟» بل يصبح السؤال الحقيقي: «لماذا تركتني أتغير؟»
وما بين الأمل واليأس، يعيش القلب المهاجر صراعًا لا يراه أحد.
جزء منه يقول: ربما يعود الاهتمام، وربما يدرك الحبيب حجم ما فقده.
وجزء آخر يهمس: كم مرة سأنتظر؟ وكم مرة سأمنح الفرصة نفسها؟
الحب لا يموت دائمًا بسبب الخيانة أو الفراق؛ أحيانًا يموت من قلة الاهتمام.
فالقلوب، مهما بدت قوية، تحتاج إلى أن تُروى.
والحب، مهما كان صادقًا، يحتاج إلى عناية.
والعلاقة التي لا تجد فيها الروح ما يطمئنها، قد تتحول مع الوقت إلى مكان جميل كانت تسكنه الذكريات فقط.
ولعل أقسى ما في القلوب المهاجرة أنها لا ترحل فجأة؛ إنها تترك المكان قلبًا بعد قلب، وذكرى بعد ذكرى، وأملًا بعد أمل.
وحين يكتمل الرحيل، قد يظن الطرف الآخر أن الرحيل كان قرارًا مفاجئًا، بينما الحقيقة أن القلب كان يعلن رحيله منذ زمن، لكن أحدًا لم ينتبه.
لذلك، إن كان في حياتك إنسان تحبه، فلا تجعل الإهمال يتحدث نيابة عنك.
اسأل عنه قبل أن يعتاد غيابك، وطمئن قلبه قبل أن يتعلم الاستغناء عنك، وامنحه من الاهتمام ما يجعله يشعر أن وجوده في حياتك ليس أمرًا عابرًا.
فبعض القلوب لا تريد الرحيل، لكنها حين تتعب من الوقوف على أبواب لا تُفتح، تختار الهجرة حفاظًا على ما تبقى منها.
وما بين قلبٍ ينتظر، وقلبٍ يهمل، ومسافةٍ تكبر بصمت، قد تضيع أجمل حكاية كان يمكن إنقاذها بكلمة واحدة:
«أنا ما زلت أحبك.. فلا ترحل.»







