بقلم : محمد باجعفر
في مسيرة الحياة، تلتقي أنواع شتى من البشر، وتتقاطع الطرق مع أصناف تتباين في معادنها وأخلاقها وهناك فئة معينة تبرز
بملامح واضحة حين تختبرهم المواقف هم أولئك الذين يتطاولون بلا مبرر ويتهمون الآخرين بالباطل تكبراً وغروراً ظناً منهم أن علو الصوت أو رفع الأنف يمنحهما هيبةً زائفة لكن الحكمة الرصينة والخبرة المتراكمة في الحياة تعلم الإنسان أن الرد على أمثال هؤلاء بكلمات
أو نقاش هو ضياع للوقت، وأن التغافل وتركه للزمن هو ابلغ من الرد، والرسالة الأصدق التي تعيد الأمور إلى نصابها.
سيمياء التغافل وحكمة الصمت حين يواجه الإنسان اتهامات باطلة أو إسقاطات رخيصة ممن لا يمتلكون رصيداً أخلاقياً حقيقياً يثور تساؤل عفوي لماذا لا أرد؟ والإجابة تكمن في إدراك عميق لطبيعة الخصم. فالصمت هنا ليس ضعفاً بل هو تعفف عن النزول إلى مستنقعات الجدال العقيم وقناعة بأن الرد يمنح الصغير حجماً لا يستحقه إن تجاهل السفيه وإهمال طهته وابتلاءاته هو أقسى عقوبة يمكن أن تُسلط عليه، لأنه يبقيه حائراً أمام جدار صلب من التجاهل بينما يتكفل الزمن ببطئه وعدالته المطلقة بكشف الحقيقة وسقوط الأقنعة فقلة الأصل وعلامات الانهزام الداخلي
إن احترام الكبير وتوقير أصحاب التجربة وحفظ الود للناس، هي ركائز أساسية تبنى عليها المجتمعات الفاضلة وهي مرآة لـ “الأصل الطيب”. في المقابل، نجد أن من يعانون من نقص دفين في ذواتهم يحاولون تعويض هذا الخواء بالتعالي على الآخرين والتطاول على من هم أكبر منهم سناً وقدراً. إنهم يرتدون عباءة زائفة من الوهم يرون أنفسهم بها فوق الجميع، متجاهلين أن التكبر مهلكة لصاحبه وأن الغرور أول دروب السقوط.
عدالة الزمن وشهادة الواقع
قد ينجح هؤلاء مؤقتاً في تمرير ادعاءاتهم أو إظهار غير ما يبطنون، لكن “حبل الكذب قصير”،
وسنن الكون لا تفشل أبداً في فرز الغث من السمين. ومع مرور الأيام، تتقلب الظروف وتدور الدوائر، ليقف هؤلاء وجهاً لوجه أمام حقيقتهم التي طالما حاولوا إخفاءها وحين يدار بهم الزمن ويقعون في محك حقيقي، يسقطون من أعين الناس، وتنكشف دواخلهم التي لا تختلف عن ثوب مزقته الرياح؛ ليُدرك الجميع أن من لم يبنِ مجده على مكارم الأخلاق وطيب الأصول، مآله الحتمي السقوط في بئر النسيان والازدراء.
إن الأيام كفيلة بإظهار معادن الرجال، ووحدهم الأصلاء من يبقى أثرهم عطراً، بينما يتبخر المتكبرون مع أول عاصفة يثيرها الزمن الحقيقي.
أسرة من كل بحر قطرة
وبستان من كل مكان شجرة
فل يفهم حقيقة اصله
قبل إتهام البشر بما ليس فيهم








