بقلم لواء.م /
محمد بن سعيد الحـارثي
مدير شرطة العاصمة المقدسة (سابقاً)
بعد نشر مقالي السابق بهذه الصحيفة بعنوان “السياحة الداخلية… شراكة بين الاستثمار وحق المواطن في السفر”، تواصل معي عدد من الأصدقاء، وروى كل منهم تجربة مختلفة، لكنها التقت جميعاً عند قضية واحدة، وهي أهمية تحقيق التوازن بين تنظيم النشاط السياحي، وتشجيع الاستثمار، ومراعاة احتياجات المواطن، بحيث لا تتحول متطلبات الجودة إلى عائق أمام تنوع خيارات السكن السياحي. وتتمثل تلك التجارب في الاتي:
اولاً: كان الأول قد أنشأ مشروعا في إحدى محافظات جنوب الطائف، التي تتميز بموقع استراتيجي وطبيعة خلابة وأجواء معتدلة، بهدف توفير وحدات سكنية للإقامة السياحية تسهم في تنمية المنطقة وتنشيط الحركة الاقتصادية وخلق فرص عمل. وقد تلقى عرضاً من جهة حكومية لاستئجار المشروع بعائد مجزٍ، إلا أنه آثر توجيهه لخدمة السياحة الداخلية، إيماناً منه بأهمية الاستثمار في هذا القطاع. لكنه فوجئ عند بدء التشغيل بعدم تمكنه من ممارسة النشاط قبل استكمال جميع اشتراطات وزارة السياحة، رغم أن الوحدات كانت صالحة للسكن. وهكذا وجد نفسه بين خسارة العقد الحكومي وعدم قدرته المالية على استكمال المتطلبات الإضافية بعد أن استنفد معظم مدخراته في إنشاء المشروع حتى أنه مضى عليه أكثر من ٣ اعوام فلا هو استفاد ولا المحافظة كذلك. ولا زال يدفع.
ثانياً: اما الآخر فقد اعتاد قضاء جزء من إجازاته في مكة المكرمة، حيث كان يستأجر شقة في إحدى العمائر المخصصة لإسكان الحجاج بحي العزيزية، بأسعار مناسبة تمكنه من الإقامة مع أسرته عدة أيام. إلا أنه فوجئ منذ عامين بعدم السماح بتأجير تلك العمائر خارج موسم الحج، مما اضطره إلى البحث عن سكن بديل، فلم يجد إلا بأسعار تجاوزت ضعف ما كان يدفعه سابقاً لقلة المعروض المصرح به فاضطر إلى تقليص مدة إقامته إلى ليلة واحدة فقط، لتنتهي رحلته قبل أن يحقق ما كان يخطط له من البقاء في مكة لأيام ثم زيارة الطائف وجدة. وهو ليس وحيدا في ذلك والمنع مضر بكل وافد الى مكة للعمرة ممن كانوا يجدوا في تلك العمائر المصرح بها كسكن للحجاج سكناً مقبولاً ورخيصاً كما أن السماح بتأجيرها يمثل تعويضا للمستثمرين يعوضهم بعض خسائرهم المتكررة عند انخفاض اعداد الحجاج كما حصل العام الماضي. وقد تسآل اخينا إذا كان الحاج يحق له السكن فيها، فلماذا يمنع هو وغيره؟
ثالثاً: قريب لي سافر إلى الرياض حيث اعتاد السكن في احدى الشقق المفروشة في حي الروضة بمبلغ يقارب مائتي ريال لليلة. وعند زيارته الأخيرة قبل قرابة عامين فوجئ بإغلاق عدد كبير منها، وبالكاد وجد واحده بسعر مضاعف. وعندما استفسر عن السبب، أوضح له المسؤول أن كثيراً من المنشآت أوقفت نشاطها بسبب صعوبة الوفاء ببعض المتطلبات من حراسة ( رغم وجود كاميرات مراقبة ) وموظفين على مدار الساعة في وقت يرى فيه أصحاب تلك المنشآت أن ارتفاع تكاليف الايجار والرواتب واستهلاك الماء والكهرباء الذي يعد تجاري لا يتناسب والعائد. ولا خلاف على أن اشتراطات وزارة السياحة للفنادق والشقق الفندقية تسهم في رفع مستوى الجودة والخدمة، وهو أمر مطلوب ومهم لشريحة من الزوار القادرين على تحمل التكاليف فهناك من لا يمانع في دفع آلاف الريالات مقابل ليلة واحدة بالقرب من الحرم. وهناك من يجد صعوبة في دفع مائتي ريال لنفس الليلة يجد فيه سكن يتناسب وإمكاناته. ومن هنا تبدو الحاجة إلى تنوع حقيقي في خيارات السكن السياحي، بحيث يبقى السكن الفندقي للقادمين والأجانب. وفي الوقت نفسه يُسمح بوجود سكن اقتصادي لغالبية المواطنين محدودي الدخل. ويترك للزائر حرية اختيار مستوى الخدمة الذي يناسب احتياجاته وإمكاناته. ولتحقيق هذا التوازن، أقترح ما يلي:
أ – أن يتركز دور وزارة السياحة في الإشراف، ووضع معايير التصنيف، وتقديم الدعم الفني والاستشارات، بحيث يكون تصنيف المنشآت السياحية خياراً لمن يرغب في الحصول على مستويات أعلى من الخدمات والتقييم.
ب – إنشاء منصة وطنية موحدة تشرف عليها وزارة السياحة، تضم جميع مرافق الإيواء السياحي المرخصة، بما فيها الوحدات الاقتصادية والاستراحات والمصائف، مع إتاحة معلومات واضحة عن مستوى كل منشأة وخدماتها، والتعريف بالمناطق السياحية ليكون القرار النهائي للزائر وفق احتياجاته وإمكاناته.
ج – تشجيع أصحاب المنشآت الصغيرة في القرى والمصائف والمناطق السياحية على الدخول إلى السوق من خلال تسهيل الإجراءات، وعدم وضع القيود وإتاحة الفرصة لهم لعرض منشآتهم في المنصة الوطنية، بما يسهم في تنشيط السياحة الداخلية، وزيادة الخيارات، وتحقيق التنمية في مختلف مناطق المملكة فانا اعرف مواطنين يمتلكون مباني خاصه بهم في بعض المحافظات لا يأتون اليها الا احياناً ومع هذا لا يمانعون في عرضها للإيجار السياحي الا انه يحول بينهم وبين ذلك اشتراطات وزاره السياحة. ولذلك فان نجاح السياحة لا يقاس فقط بعدد الفنادق الفاخرة، بل أيضاً بقدرتها على استيعاب مختلف شرائح المجتمع، وتوفير خيارات متنوعة تلبي احتياجات الجميع، وتجعل من السياحة الداخلية تجربة متاحة ومتيسره لكل مواطن، لا حكراً على فئة دون أخرى. وكل ما انخفضت الأسعار انتشر الناس للسياحة ونشطت الأسواق وهو من مستهدفات الرؤية. ولذلك فإنما اطرحه هو عباره عن أفكار اضعها امام الجهات المختصة للأخذ بما تراه مناسباً بعد تقييمه. والله من وراء القصد.






