رسائل لم تصل… ولكنها بقيت في القلب

بقلم / ا. عبد الله شراحيلي

ثمة رسائل لا تعرف طريقها إلى صناديق البريد، ولا تعبر شاشات الهواتف، ولا تحملها أصابعنا إلى زر «إرسال»… ومع ذلك، تصل إلى مكانٍ أعمق من كل الأمكنة: إلى القلب.

نكتبها أحيانًا في ساعات الليل، حين يهدأ العالم وتعلو أصوات الذاكرة. نكتب ما عجزنا عن قوله في لحظته، وما أخفاه الكبرياء، وما أخرسه الخوف، وما منعه السؤال الأبدي: ماذا لو لم يكن الطرف الآخر ينتظر هذه الكلمات؟

نكتب: «اشتقت إليك»، ثم نتراجع.

نكتب: «سامحتك»، ثم نمحو.

نكتب: «ما زلت أتذكرك»، ثم نغلق الهاتف.

ونترك الرسالة معلقةً بين الرغبة في الوصول والخوف من الوصول.

ليست كل الرسائل التي لم تصل ضائعة؛ فبعضها كان وصوله سيكلفنا كثيرًا. ربما كان سيعيد فتح جرحٍ ظنناه التأم، أو يعيدنا إلى مكانٍ بذلنا عمرًا كاملًا كي نغادره. لذلك يصبح الصمت أحيانًا حكمة، ويصبح عدم الإرسال نوعًا من النجاة.

هناك أشخاص غادروا حياتنا، لكنهم لم يغادروا ذاكرتنا. تركوا خلفهم أسئلةً بلا إجابات، ومواقفَ لم تكتمل، وكلماتٍ كان ينبغي أن تُقال ولم تُقل.

وقد لا يكون الحنين إلى الشخص نفسه، بقدر ما هو حنين إلى زمنٍ كنا فيه أكثر براءة، وأكثر قدرةً على الفرح، وأكثر إيمانًا بأن الأشياء الجميلة لا ترحل.

والغريب أن الإنسان قد ينسى تفاصيل كثيرة، لكنه لا ينسى شعورًا صادقًا عاشه. قد تتبدل الوجوه، وتتغير الأماكن، وتمضي السنوات، لكن جملةً واحدة قيلت في وقتٍ حساس قد تبقى في الذاكرة أطول من أصحابها.

لهذا، فإن بعض الرسائل لا تحتاج إلى أن تصل إلى أصحابها؛ يكفي أنها قالت لنا ما في داخلنا.

فحين نكتب لمن فقدناه، قد لا نكون ننتظر جوابًا، بل نبحث عن راحةٍ لأنفسنا. وحين نكتب لمن أخطأ في حقنا، قد لا نريد عودته، وإنما نريد أن نضع نهايةً هادئةً لحكايةٍ أتعبتنا.

إن أجمل ما في الرسائل التي لم تصل أنها تكشف لنا حقيقتنا بعيدًا عن أعين الآخرين؛ تكشف مقدار الحب الذي أخفيناه، وحجم الألم الذي تحملناه، وكم كنا نحتاج إلى كلمةٍ واحدة ربما لم تأتِ.

لكن الحياة لا تتوقف عند رسالة لم تُرسل.

فثمة رسائل أخرى تنتظرنا في المستقبل، وأشخاص لم نلتقِ بهم بعد، وأيام لم نعشها، وفرحٌ قد يأتي من حيث لا نحتسب.

لذلك، لا تجعل رسالةً لم تصل تختصر حياتك كلها.

اتركها في مكانها الجميل من الذاكرة، دون أن تجعلها سجنًا لقلبك. سامح من يستحق السماح، وودّع من انتهى دوره، واحتفظ من الماضي بما يجعلك أكثر حكمة، لا أكثر حزنًا.

فبعض الرسائل كُتبت لتصل، وبعضها كُتب لتعلّمنا الصمت، وبعضها كُتب فقط كي نكتشف أننا، رغم كل ما حدث، ما زلنا نملك قلبًا قادرًا على الحب.

وربما بعد سنوات، حين نعود إلى تلك الرسائل القديمة، سنبتسم ونقول:

كان يمكنني أن أرسلها… لكنني كنت بحاجة إلى أن أكتبها أكثر من حاجتي إلى أن تصل.

تلك هي رسائل القلب؛ لا تصل دائمًا إلى من كُتبت لهم، لكنها تصل إلينا نحن… فتغيّرنا، وتنضجنا، وتعلّمنا أن بعض الحكايات لا تحتاج إلى نهاية، بل تحتاج فقط إلى قلبٍ يعرف متى يتذكر، ومتى يترك الذكرى تمضي بسلام.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

فانطلقا

  سارة السلطان / الرياض اليوم أشرقت الشمس بوهجهاً ‏تعلن بداية يوم تعليمي جميل ‏المسؤول اليوم ويليه المعلم، ثم يزدهر التعليم بالطالب، وهنا نذكر الإداريّ وبالذات المعلم !! كيف ورد بالقران كلمة ثلاث مرات هي أسرار الفلاح؟ وحيوية العلم،ومفاتيح التشتت، سورة الكهف .. “فانطلقا ” ‏من المهم معرفة المرحلة العمرية ‏لهذه الفئة التي تتولى تعليمها ، ‏لتدرك أهمية الانطلاق بالتعليم ! هو مهم لكل مرحلة بالتعليم…

في محراب الكمال

  دكتور حسن الأمير على ضفاف السحر والشعر حيث تعجز الأبجدية عن مجاراة حسنك أقف مبهورًا تتجاذبني ملامحك التي قسمت الجمال بين عينيك نصفين نصف يختزل فتنة الكون ونصف آخر يفيض بالكمال والتمام……….. كيف يجرؤ قلم على رسم ملامحك وأنت البدر الذي انحنى له الهلال غزلًا وحبًا!كلما أشرق فجر جديد تراكضت نحوك الزهور تخطب ود عطرك وتتوارى الشمس خجلًا في مغيبها لتترك لك علياء الصدارة والبهاء………..…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

فانطلقا

فانطلقا

في محراب الكمال

في محراب الكمال

رسائل لم تصل… ولكنها بقيت في القلب

رسائل لم تصل… ولكنها بقيت في القلب

كادَ المعلّمُ أن يكون رسولًا

كادَ المعلّمُ أن يكون رسولًا

السياحة الداخلية… بين جودة التنظيم وحق المواطن في خيارات السكن

السياحة الداخلية… بين جودة التنظيم وحق المواطن في خيارات السكن

التقنية.. وأدب الطفل

التقنية.. وأدب الطفل

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode