بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه
تُعدّ الكلمة من أعظم ما يملكه الإنسان في تأثيره في الآخرين؛ فقد تكون كلمة عابرة في نظر قائلها، لكنها تترك أثرًا عميقًا في نفس سامعها، وربما تغيّر مسار حياته، وتبقى حاضرة في ذاكرته سنوات طويلة. وقد اعتنى الإسلام بالكلمة الطيبة، وجعلها من أبواب الخير والصدقة والإحسان.
أولًا: الكلمة الطيبة منهج قرآني
ضرب الله سبحانه وتعالى للكلمة الطيبة مثلًا بديعًا في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24-25].
كما قال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]، وقال سبحانه: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].
وهذا يؤكد أن الكلمة الحسنة ليست مجرد أسلوب اجتماعي جميل، بل هي خلق إسلامي رفيع، وعبادة يتقرب بها المسلم إلى الله.
ثانيًا: صور الكلمة الطيبة
الكلمة الطيبة أوسع من مجرد الثناء والمدح؛ فهي تشمل ذكر الله وتسبيحه وتهليله وتكبيره وحمده ودعاءه وشكره، كما تشمل تلاوة القرآن، والعلم النافع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة الصادقة، والإصلاح بين الناس، والجواب الحسن، والرد اللطيف، وكل قول يحمل خيرًا ونفعًا للآخرين.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة»، وهو ما يبين عظيم منزلة الكلمة الحسنة وأثرها في ميزان الأعمال.
ثالثًا: الكلمة الطيبة تصل إلى القلوب
الكلمة الطيبة بوابة واسعة إلى القلوب، ولذلك بعث الله الأنبياء والمرسلين بالكلمة والدعوة والبيان؛ لإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد والإيمان والعلم.
ومن أعظم الأمثلة على ذلك قول الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين أرسلهما إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44].
فإذا كان القول اللين مطلوبًا مع فرعون، مع عظيم طغيانه، فكيف ينبغي أن يكون كلام المسلم مع والديه وأبنائه وزوجه وإخوانه وجيرانه وزملائه وطلابه؟
رابعًا: الوالدان أولى الناس بالكلمة الطيبة
من أحق الناس بالكلمة الطيبة الوالدان، فقد قرن الله الإحسان إليهما بتوحيده في مواضع من كتابه، فقال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].
ومن صور الإحسان إليهما اختيار أجمل الكلمات، وخفض الصوت، والدعاء لهما، وشكرهما، وإشعارهما بمكانتهما في حياة أبنائهما.
خامسًا: الكلمة الطيبة أساس العلاقات الناجحة
تحتاج الأسرة إلى الكلمة الطيبة، ويحتاج إليها الزوجان، والإخوة والأخوات، والأقارب والأرحام، والجيران، كما يحتاج إليها المدير مع موظفيه، والمعلم مع طلابه، ورب العمل مع العاملين، والبائع مع المشتري.
فكلمة تقدير قد ترفع معنويات إنسان، وكلمة اعتذار قد تنهي خلافًا، وكلمة تشجيع قد تعيد الثقة إلى شخص فقدها، وكلمة محبة قد تصلح علاقة كادت أن تنقطع.
سادسًا: كلمة الأب قد تصنع مستقبل ابنه
أيها الأب، لا تستهِن بكلماتك التي تقولها لأبنائك، ولا تظن أن النصيحة التي تكررها قد ذهبت سدى.
قد تقول لابنك: «يا بني، لا تترك الصلاة، فهي صلتك بالله وسبب توفيقك»، وقد تقول له: «اجعل لك وردًا من القرآن»، وربما تراه في تلك اللحظة متثاقلًا، فتظن أن كلماتك لم تصل إليه.
لكن من يدريك؟ ربما بقيت تلك الكلمات في قلبه حتى يأتي اليوم الذي يفتح الله فيه عليه، فيعود إلى الصلاة والقرآن، ويتذكر أن أباه كان دائمًا يحثه على الخير.
وقد ترى ابنك بعد سنوات إمامًا أو حافظًا للقرآن أو معلمًا أو داعية إلى الخير، فتدرك أن كلماتك التي قلتها يومًا كانت من اللبنات التي أسهمت في بناء شخصيته.
سابعًا: كلمة المعلم قد تغيّر حياة طالب
المعلم لا يدري أحيانًا ماذا سيكون مستقبل الطالب الذي يجلس أمامه.
قد يرى طالبًا ضعيفًا أو خجولًا أو قليل الثقة بنفسه، فيقول له: «أنا أرى فيك شيئًا مميزًا»، أو «أنت تستطيع، وسيكون لك شأن بإذن الله».
قد تبدو هذه الكلمات بسيطة، لكنها قد تغيّر نظرة الطالب إلى نفسه، وتمنحه الثقة التي يحتاج إليها للانطلاق والنجاح.
والتربية لا تقوم على تصحيح الأخطاء فقط، بل تقوم كذلك على اكتشاف مواطن القوة، وتعزيز الثقة، وإشعار الطالب بأنه قادر على النجاح والعطاء.
ثامنًا: لا تستصغر الكلمة
لا تستصغر معروفًا ولو كان كلمة، ولا تستصغر دعوة، ولا نصيحة، ولا آية تذكّر بها، ولا كلمة تشجيع تقولها لطالب، ولا كلمة تحث بها أبًا على تعليم ابنه القرآن.
فالإنسان لا يعلم قيمة ما يقوله عند الله، ورب كلمة صادقة كانت سببًا في هداية إنسان أو إصلاحه أو رفع معنوياته أو تغيير حياته
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا».
تاسعًا: كلمات السلف تكشف عظمة أثر التشجيع
ومن النماذج البارزة في أثر الكلمة الطيبة ما جاء في قصة عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الرجلُ عبدالله، لو كان يصلّي من الليل»، فكان عبدالله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «إني أحبك»، ثم علّمه دعاءً عظيمًا يقوله في دبر كل صلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
وفي حياة العلماء أمثلة أخرى تؤكد أثر الكلمة المشجعة؛ فقد ذكر الإمام الذهبي عن شيخه أنه حبّب إليه طلب الحديث، وأثرت كلمات شيخه فيه حتى واصل طريقه في العلم
عاشرًا: الكلمة الطيبة لا تثمر دائمًا في لحظته
لا تحكم على الكلمة من لحظة سماعها؛ فالبذرة لا تصبح شجرة في يومها.
قد تُقال الكلمة اليوم، ثم تمر الأيام والسنوات، فإذا بها تظهر في سلوك إنسان أو علمه أو عمله أو صلاحه.
وقد يكون أثرها أكبر مما يتوقع قائلها، وربما استمر أثرها بعد وفاة صاحبها، لأن الخير الذي تسببت فيه الكلمة يستمر ويتجدد.
الحادي عشر: للكلمة أثر في تربية الأبناء على شكر النعم
ليس من الضروري أن يجمع الأب أبناءه لإلقاء درس طويل في حمد الله واستشعار نعمه؛ فقد تكون التربية في موقف بسيط.
فحين تجتمع الأسرة على الطعام، يمكن للأب أن يقول لأبنائه: «قولوا: الحمد لله على هذه النعمة، فهناك من لا يجد مثلها».
وحين ينجح أحد الأبناء أو البنات، يمكن للأب أن يقول له: «هذا بتوفيق الله، وببركة الصلاة والقرآن والاجتهاد».
وبمثل هذه العبارات تنمو في نفس الأبناء محبة الطاعة، واستشعار النعم، ونسبة الفضل إلى الله، وشكر المنعم سبحانه.
الثاني عشر: احذر الكلمة السلبية
كما أن للكلمة الطيبة أثرًا عظيمًا في الخير، فإن للكلمة السيئة أثرًا بالغًا في الشر.
فكم من كلمة أفرحت، وأخرى أحزنت، وكم من كلمة أضحكت، وأخرى أبكت، وكم من كلمة فرقت، وأخرى جمعت، وكم من كلمة أقامت، وأخرى هدمت.
وقد تكون كلمة ساخرة سببًا في إحباط إنسان، أو كلمة تثبيط سببًا في تركه عملًا صالحًا، أو عبارة قاسية سببًا في فقدان شخص ثقته بنفسه.
ولهذا قال الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53].
الثالث عشر: الكلمة الطيبة تجمع ولا تفرّق
من آثار الكلمة الطيبة أنها تسر السامعين، وتريح القلوب، وتحدث أثرًا حسنًا في النفوس، وتؤلف بين القلوب، وتجمع الشمل، وتقرب الأباعد، وتزيل أحقاد الصدور، وتعين على إصلاح ذات البين، وتذهب الحزن وتخفف الغضب.
ومن هنا فإن نشر الكلمات الطيبة في المجتمع يسهم في بناء علاقات أكثر تماسكًا، وبيئة أكثر إيجابية، وأسرة أكثر استقرارًا، ومدرسة أكثر أمنًا وطمأنينة.
الرابع عشر: كلمة واحدة قد تكون سببًا في رضوان الله
حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الاستهانة بالكلمات، فقال: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه».
وهذا يبين أن الإنسان ينبغي أن يتأمل فيما يقول، وأن يزن كلماته قبل أن ينطق بها، لأن الكلمة قد ترفع صاحبها، وقد ترديه.
الخامس عشر: لا تبخل بالكلمة الطيبة
فكم من عالم بدأت قصته بكلمة تشجيع، وكم من حافظ للقرآن بدأ طريقه بعبارة تحفيز، وكم من صالح غيّرته نصيحة، وكم من داعية أشعل قلبه موقف، وكم من منفق كانت بدايته رسالة، وكم من ابن صالح كان وراء صلاحه أب لم ييأس من تربيته.
إننا لا ندري أي ثمرة ستخرج يومًا من شجرة كلماتنا؛ لذلك فلنحرص على أن تكون كلماتنا بذورًا للخير، لا معاول للهدم.
الخلاصة
الكلمة الطيبة ليست مجرد حروف تُقال، وإنما أثر ورسالة وبناء.
فلتكن كلماتنا في بيوتنا طيبة، وفي مدارسنا طيبة، وفي أعمالنا طيبة، وفي تعاملنا مع الناس طيبة.
وليتذكر الأب والمعلم والمربي وكل من يتعامل مع الآخرين أن كلمة واحدة قد تُقال في دقيقة، لكن أثرها قد يمتد سنوات، وربما يمتد إلى أجيال.
فلا تبخل بكلمة طيبة، فقد تكون الكلمة التي تنطق بها اليوم هي الثمرة التي تراها غدًا، وربما تكون من الأعمال التي يبقى أثرها بعد رحيلك.
فازرعوا الكلمات الطيبة، فإنكم لا تدرون أي شجرة من الخير ستنبت من كلماتكم.







