العبودية حين ترتدي ثوب الوطنية… لا نكره الشعوب نكره أن تُباع كرامتها ويُصفَّق للصفقة

بقلم: كمال فليج

في زمن تختلط فيه المفاهيم، وتتداخل فيه الحقائق بالدعاية، يصبح من الضروري التفريق بين الشعب وبين النظام، وبين الإنسان وبين السلطة، وبين احترام الشعوب وانتقاد الخيارات السياسية التي تُفرض عليها. فرفض سياسات دولة أو نظام سياسي لا يعني بالضرورة كراهية شعب بأكمله، كما أن انتقاد واقع اجتماعي أو سياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداء للناس أو انتقاص من كرامتهم.

نحن لا نكره الشعب، ولا نحمل عداءً للإنسان لمجرد انتمائه إلى وطن أو مجتمع أو ثقافة مختلفة. ما نرفضه هو أن تتحول التبعية إلى فضيلة، والاستسلام إلى بطولة، والخضوع إلى قدر لا يمكن تغييره، وأن يُطلب من الإنسان أن يصفق لمن صادر إرادته ثم يقنعه بأن ما يحدث هو لمصلحته.

القضية هنا ليست قضية كراهية شعوب، وإنما قضية كرامة ووعي وإرادة.

أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس فقط فقدان الحرية، وإنما فقدان القدرة على إدراك معنى الحرية. فالإنسان الذي يُحرم من حقه ثم يقتنع بأن الحرمان فضيلة، يصبح أكثر قابلية للدفاع عن القيود التي تكبّله.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.

عندما يُعاد تقديم التبعية باعتبارها واقعية سياسية، ويُسوَّق التنازل باعتباره حكمة، ويُصوَّر الارتهان للخارج باعتباره انفتاحاً، فإن المشكلة لا تعود في وجود القوة التي تفرض إرادتها فقط، بل في منظومة الخطاب التي تعمل على تطبيع الخضوع داخل وعي المجتمع.

فالاستعمار، في صورته الحديثة، لا يحتاج دائماً إلى الجيوش والدبابات. قد يكفيه أحياناً أن ينجح في إقناع الشعوب بأن مصالحها مرتبطة دائماً بإرادة الأقوى، وأن استقلال قرارها ضرب من الوهم، وأن الدفاع عن السيادة نوع من التطرف.

وحين تصل هذه الأفكار إلى عقول الأجيال الجديدة، يصبح الاحتلال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أكثر خطورة، لأنه يتحول من واقع مفروض إلى قناعة يتم الدفاع عنها من الداخل.

من الخطأ اختزال المواقف السياسية في مشاعر الكراهية.

الشعوب ليست حكوماتها بالضرورة، وليست كل مواقفها انعكاساً لإرادتها الحرة. داخل كل مجتمع توجد أصوات متعددة، وتيارات مختلفة، وأناس يرفضون ما يجري، وآخرون يؤيدونه، وفئات قد لا تملك أصلاً القدرة على التأثير في القرار السياسي.

لذلك فإن تحميل شعب كامل مسؤولية خيارات سلطة أو نظام أو نخبة سياسية هو تبسيط مخلّ بالواقع.

نحن لا نكره الشعب، بل نختلف مع منظومة الأفكار التي تبرر إذلاله أو مصادرة قراره أو تحويل مستقبله إلى رهينة لمصالح الآخرين.

نحن لا نكره الإنسان، وإنما نرفض أن يُعامل الإنسان كرقم في معادلة سياسية، أو كسلعة في سوق النفوذ، أو كأداة لخدمة مشاريع لا علاقة لها بمصالحه الحقيقية.

الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية.

إنها الذاكرة، والتاريخ، والهوية، وحقوق الأجيال القادمة.

وعندما تصبح الأرض موضوعاً للمساومة السياسية أو الاقتصادية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحدود مرسومة على الخرائط، بل بمستقبل شعب كامل.

إن رهن القرار الوطني للخارج يجعل الدولة تفقد تدريجياً قدرتها على تحديد أولوياتها. ومع مرور الوقت، يصبح الاقتصاد تابعاً، والسياسة مقيدة، والإعلام موجهاً، والثقافة عرضة للتأثير، ثم يجد المجتمع نفسه أمام واقع جديد يُطلب منه التعايش معه وكأنه أمر طبيعي.

وهنا تكمن خطورة الاستسلام.

فالاستسلام لا يحدث في لحظة واحدة. يبدأ غالباً بتنازل صغير، ثم يتبعه تنازل آخر، ثم يصبح التنازل سياسة، ثم يتحول إلى ثقافة، وفي النهاية يُطلب من الناس الدفاع عن هذه الثقافة باعتبارها الطريق الوحيد الممكن.

الشعوب التي تحترم نفسها لا تبحث عن منقذ خارجي يصنع لها مستقبلها.

هي تبحث عن دولة قوية، ومؤسسات مستقلة، واقتصاد قادر على حماية القرار السياسي، وتعليم يبني العقل النقدي، وإعلام يطرح الأسئلة بدلاً من صناعة التبريرات.

الكرامة الوطنية ليست شعاراً عاطفياً، بل منظومة متكاملة.

هي أن يكون للدولة قرارها، وللاقتصاد قدرته، وللمواطن حقوقه، وللشعب حقه في اختيار مستقبله دون وصاية أو إملاء.

ولهذا فإن رفض التبعية لا يعني الانغلاق على العالم. بالعكس، يمكن للدولة أن تنفتح على العالم وتتعاون مع الجميع، من دون أن تتخلى عن سيادتها أو تحول مصالحها الوطنية إلى سلعة قابلة للبيع.

ربما تكون أقسى صور الاستسلام عندما يبدأ الضحية بالدفاع عن من يضيّق عليه، ليس لأنه اختار ذلك بحرية، وإنما لأنه أُقنع بأن لا بديل أمامه.

عندها تصبح عملية التحرر أصعب بكثير.

فالإنسان الذي يعرف أنه مقيد يسعى إلى كسر قيده، أما الذي يعتقد أن القيد حماية له فقد يدافع عنه بكل قوته.

وهنا يظهر دور الإعلام والثقافة والتعليم.

الكلمة يمكن أن تحرر، لكنها يمكن أيضاً أن تبرر.

والكاتب يستطيع أن يفتح عيون الناس على الحقيقة، كما يستطيع أن يضع مساحيق التجميل على واقع مؤلم.

والمثقف الحقيقي ليس من يصفق للقوة، وإنما من يملك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة، حتى عندما تكون الإجابات غير مريحة.

هناك فارق كبير بين أن تكره شعباً، وبين أن ترفض واقعاً تراه مهيناً له.

الفارق بين الاثنين هو تماماً الفارق بين الحقد والنقد.

الحقد يستهدف الإنسان بسبب هويته، بينما النقد يستهدف الفكرة والسياسة والممارسة.

الحقد يريد الإقصاء، بينما النقد يريد الإصلاح.

الحقد يحتقر الشعوب، بينما النقد يمكن أن يكون نابعاً من الرغبة في رؤيتها أكثر استقلالاً وكرامة.

ولهذا، فإن القول إن كل من ينتقد سياسة دولة أو نظام هو “كاره للشعب” ليس سوى وسيلة لإغلاق باب النقاش.

فالسياسة تُناقش، والقرارات تُنتقد، والتحالفات تُراجع، والاتفاقيات تُقيّم، والمواقف تُحاسب.

أما الشعوب، فيجب أن تبقى خارج منطق الكراهية الجماعية.

لا توجد أمة تستحق الكرامة أكثر من أمة أخرى.

ولا يوجد شعب خُلق ليكون تابعاً لشعب آخر.

كل الشعوب تستحق أن تعيش بأمان، وأن تحافظ على أرضها، وأن تصنع مستقبلها، وأن تمتلك قرارها الوطني.

ومن هنا فإن رفض الاستسلام ليس عداءً للآخر، بل دفاع عن حق الإنسان في أن يكون سيداً على مصيره.

وإذا كان من حق أي شعب أن يرفض الاحتلال والوصاية والتبعية، فمن حق الشعوب الأخرى أيضاً أن تفعل الشيء نفسه.

السيادة ليست امتيازاً تمنحه القوة لمن تشاء، وإنما حق أصيل للشعوب والدول.

نحن لا نكره الشعب.

نرفض أن يتحول الشعب إلى أداة في يد السلطة، أو إلى سلعة في سوق المصالح الدولية، أو إلى رقم في مشاريع الآخرين.

نرفض أن يُطلب من الإنسان أن يتنازل عن كرامته ثم يُقال له إن ذلك هو ثمن الواقعية.

نرفض أن يُطلب من الأجيال أن تدفع ثمن قرارات لم تشارك في صنعها.

ونرفض أن تصبح التبعية قدراً، والاستسلام حكمة، والذل سياسة، والخضوع فضيلة.

إن احترام الشعوب يبدأ من احترام حقها في الحرية والكرامة والسيادة.

أما الاختلاف السياسي، مهما كان حاداً، فلا ينبغي أن يتحول إلى كراهية جماعية.

نحن لا نكره الشعوب… نحن نكره أن تُسلب منها كرامتها، ثم يُطلب منها أن تبتسم وهي تصفق لمن صادر حقها في صناعة مستقبلها.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

عندما تنتصر القلوب على الفراق

ا. عبدالله شراحيلي ليس الفراق دائمًا نهاية الحكاية، فبعض الغياب لا يطفئ المحبة، بل يكشف معدنها الحقيقي، وبعض المسافات لا تُبعد القلوب، وإنما تمنحها فرصة لتدرك كم كان القرب نعمة، وكم كان حضور من نحب جزءًا من تفاصيل الحياة. هناك أناسٌ نعجز عن نسيانهم، لا لأننا عاجزون عن المضيّ قدمًا، ولكن لأنهم تركوا في أرواحنا أثرًا لا تمحوه الأيام. مرّوا في حياتنا كنسمةٍ عطرة، ثم مضوا،…

حين تأتي النصيحة من قلبٍ يعرفنا

  بقلم: مزنة بنت سعيد البلوشية أحيانًا نبحث عن صوتٍ بعيد، نمدّ إليه أسئلتنا وحيرتنا، لأننا نظن أن المسافة تمنح الكلمات شيئًا من الحياد، وأن الغريب حين ينصحنا لا يحمل في حديثه شيئًا من عتاب الأمس، ولا يفتح دفاتر المواقف القديمة. فنصغي إليه بهدوء، ونستقبل كلماته دون أن ندافع عن أنفسنا، وكأننا أمام مرآة لا تعرف عنا سوى ما نخبرها به. أما القريب… فله حكاية أخرى.…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

العبودية حين ترتدي ثوب الوطنية… لا نكره الشعوب نكره أن تُباع كرامتها ويُصفَّق للصفقة

العبودية حين ترتدي ثوب الوطنية…  لا نكره الشعوب نكره أن تُباع كرامتها ويُصفَّق للصفقة

هل “أذن الوطواط” علامة على ضعف السمع؟ الطبيب الشيخ يوضّح الإجابة

هل “أذن الوطواط” علامة على ضعف السمع؟ الطبيب الشيخ يوضّح الإجابة

جمعية أبطال التوحد تنظم حملة توعوية لتعزيز الاكتشاف المبكر

جمعية أبطال التوحد تنظم حملة توعوية لتعزيز الاكتشاف المبكر

عندما تنتصر القلوب على الفراق

عندما تنتصر القلوب على الفراق

حين تأتي النصيحة من قلبٍ يعرفنا

حين تأتي النصيحة من قلبٍ يعرفنا

«تعليم الطائف » يرحب بعودة الكوادر التعليمية بكم نبدأ قصة طموح

«تعليم الطائف » يرحب بعودة الكوادر التعليمية  بكم نبدأ قصة طموح

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode