الكاتبة / وجنات صالح ولي
في دهاليز المشاعر الإنسانية، بين الضعف والقسوة وقمّة الاحتياج،
تنساب المشاعر في دروب الحياة كأنهارٍ متلاطمة، تتأرجح بين اللين والشدة، وبين الهشاشة والصلابة. وفي رحلة العيش الطويلة، يعبر الإنسان محطات وجدانية معقّدة، تشكّل جوهر وجوده، وتحدّد ملامح علاقته بنفسه وبمن حوله. ومن بين أكثر هذه المفاهيم عمقًا وتأثيرًا على النفس البشرية، تتجلّى ثلاثة أبعاد: الضعف الذي نخشاه، والقسوة التي نتجنبها، وقمّة الاحتياج التي نتحاشى الاعتراف بها. إن فهم هذه الإشراقات والانتكاسات ليس رفاهية فكرية، بل هو مدخلنا الأساسي لاستيعاب إنسانيتنا المجردة.
أما الأبعاد الثلاثة للروح، فأصعبها هو الضعف.
الضعف: إنكار الصلابة العبثية
الضعف ليس بالضرورة انكسارًا كاملاً أو هزيمة نكراء، بل هو في أعمق صوره العجز الشفيف عن حماية ما نحب، أو الوقوف أمام مواقف متطلبة في لحظة تخوننا فيها طاقتنا. إن الضعف يمثّل السقوط الصادق أمام المشاعر الحقيقية؛ إنه اللحظة التي تتهاوى فيها أقنعة القوة المزيفة، ليتجلّى الجانب الإنساني النقي، المليء بالتساؤلات والهشاشة، والذي يذكّرنا دائمًا بأننا بشر، لسنا معصومين من الإرهاق.
القسوة: جفاف الرحمة والتجمّد الوجداني
على الضفة الأخرى، تأتي القسوة لتكون تجريدًا واعيًا أو غير واعٍ للروح من الرحمة، وتغاضيًا متعمّدًا عن آلام الآخرين. القسوة لا تتجسّد فقط في الكلمات الحادة أو الأفعال العنيفة، بل في صورها الأكثر إيلامًا تكمن في الصمت المتخشّب والغياب البارد في مواقف تتطلب التضامن والدفء. إنها الدرع الزائف الذي يرتديه الإنسان ليعزل نفسه عن محيطه، محوّلاً القسوة إلى قناع يدّعي من خلاله القدرة والسيطرة.
قمّة الاحتياج: صراخ الروح الصامت
وعند العبور إلى أكثر الإحساسات عمقًا، نصل إلى قمّة الاحتياج. ليست قمّة الاحتياج طلب العون المادي أو الشكوى المعلنة، بل هي الوصول إلى مرحلة يتوق فيها المرء لشخص يفهم صمته دون شرح، ويربّت على كتفه دون أن يضطره إلى إظهار انكساره. هي التوق الشديد إلى حضورٍ مؤنس ولفتة أمان تشفي الروح، مع العجز التام عن النطق بهذا الطلب؛ إنها الصدمة الشفافة للروح حين تطلب السكن والاستقرار وسط صخب العالم.
إن الضعف والقسوة والاحتياج ليست مجرد كلمات في قواميس المعاني، بل هي محطات يتنقّل بينها كل إنسان في رحلة البحث عن الذات. وحين ندرك أن الضعف يمنحنا طابعنا الإنساني، وأن القسوة تحرمنا جوهرنا، وأن الاحتياج هو أصل رغبتنا في التواصل والاتصال؛ نصل حينها إلى الحقيقة الأهم: أن تقبّل هذه المشاعر وفهمها هو السبيل الوحيد لترميم أرواحنا والوصول إلى سلامنا الداخلي.






