جدة_عبدالله الينبعاوي
تُمثّل المسؤولية الاجتماعية التزامًا أخلاقيًا ووطنيًا للأفراد والمؤسسات تجاه المجتمع، من خلال الإسهام في خدمته، وتعزيز التكافل بين أفراده، والمشاركة في معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، بما يدعم مسيرة التنمية المستدامة، ويسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا. ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرة «قرّبنا.. من المجتمع للمجتمع» لتقريب مفهوم المسؤولية المجتمعية من الناس، وفتح مساحة للحوار حول دور الفرد والمجتمع وصاحب القرار فيصناعة الأثر.
وشهدت جدة لقاءً حواريًا ضمن مبادرة «قرّبنا»، بحضور نخبة من الإعلاميين والكتّاب وشخصيات المجتمع، واستضافه مطعم ومقهى وايت كاسبر بجدة، وامتد لنحو ثلاث ساعات، في لقاء اتسم بالثراء والتفاعل وتبادل الأفكار والتجارب حول واقع المسؤولية المجتمعية، وأهمية تحويلها من مفهوم إلى ممارسة تحقق أثرًا ملموسًا.
وقدمت د. فاطمة قاروب خلال اللقاء طرحًا ثريًا استند إلى تجربتها في العمل المجتمعي، مؤكدة أن المسؤولية المجتمعية ليست مجرد رسالة أو أهداف أو فعاليات، وإنما واقع يقوم على أسس وقواعد واضحة، يبدأ من القرب الحقيقي من المجتمع، والاستماع إلى الناس، وفهم احتياجاتهم وطموحاتهم، وصولًا إلى اكتشاف مكامن الخلل والعمل على معالجتها.
وأوضحت قاروب أن القرب يولّد الاستشعار، والاستشعار يولّد المسؤولية، والمسؤولية تبني الثقة، مشيرة إلى أن الثقة تمثل أساسًا لأي تغيير حقيقي؛ فكلما اقتربت المبادرة من الناس، أصبحت أكثر قدرة على فهم واقعهم واكتشاف القضايا التي تستحق التدخل والمعالجة.
«كرسي المجتمع».. صوت الناس ومقياس الأثر
وفي محور لافت من اللقاء، استعرضت د. فاطمة قاروب مفهوم «كرسي المجتمع»، باعتباره حضورًا أساسيًا للمجتمع وصوته في منظومة المسؤولية المجتمعية، مؤكدة أن المجتمع ليس متلقيًا للمبادرات فحسب، بل شريك أساسي في تحديد احتياجاته وتقييم نتائج ما يُقدَّم له.
وأشارت إلى أن نجاح أي مبادرة لا يُقاس فقط بما تم تنفيذه أو بعدد الفعاليات والتغطيات الإعلامية، وإنما بالعودة إلى المجتمع نفسه وطرح الأسئلة الأهم: هل أحدثت المبادرة فرقًا؟ هل صنعت تغييرًا؟ وهل لامست احتياجًا حقيقيًا؟ مؤكدة أن إجابات المجتمع تمثل المقياس الأصدق للأثر.
وفي السياق ذاته، تناولت قاروب دور الإعلام باعتباره الحلقة التي تربط بين المجتمع وصاحب القرار، من خلال نقل صوت الناس وقضاياهم واحتياجاتهم إلى أصحاب القرار، وتسليط الضوء على المبادرات المجتمعية ومتابعة نتائجها وأثرها، بما يعزز التواصل ويدعم فرص إحداث التغيير
«قرّبنا».. من المجتمع للمجتمع
واستكمالًا لمبادراتها الناجحة في مجال المسؤولية المجتمعية، انطلقت مبادرة «قرّبنا.. من المجتمع للمجتمع» في 8 أغسطس 2026، من خلال بودكاست وإضاءات يومية عبر منصات التواصل الاجتماعي، برسالة واضحة تتمثل في تقريب مفهوم المسؤولية المجتمعية من الناس، وتوضيح دور المجتمع وصاحب القرار في صناعة الأثر.
ومنذ انطلاقتها، حققت المبادرة حضورًا وتفاعلًا لافتين، لتؤكد أن المسؤولية المجتمعية ليست مفهومًا معقدًا أو حكرًا على المؤسسات، بل مسؤولية تبدأ من كل فرد، وتتحول بالمبادرة والعمل إلى أثر ملموس في المجتمع.
كما استعرضت قاروب جانبًا من تجربتها في المبادرات المجتمعية، متوقفة عند مبادرة «كفاية إحراج» التي أطلقتها في 10 أكتوبر 2010، وتناولت قضية تأنيث محلات بيع الملابس النسائية. وانطلقت الفكرة عبر منصة «فيسبوك»، قبل أن تتوسع وتنتقل إلى وسائل الإعلام وتحظى بتفاعل مجتمعي واسع، لتقدم نموذجًا على قدرة المبادرات التي تنطلق من احتياج حقيقي على التحول إلى قضية مجتمعية مؤثرة.
الحضور يضعون قضاياهم أمام صاحب القرار
وفي تفاعل عملي مع الحضور، وُزعت بطاقات تضمنت سؤالًا مباشرًا: «لو عندك دقيقة واحدة، سيسمعك فيها صاحب قرار، ما القضية المجتمعية التي ستضعها أمامه؟»
وتفاعل الحضور مع السؤال بكتابة القضايا التي يرون أنها تمس المجتمع، ثم جرى طرحها ومناقشتها خلال اللقاء، في تجربة عكست أهمية إعطاء المجتمع مساحة للتعبير عن أولوياته واحتياجاته، وربط الحوار بالقضايا الفعلية التي يعيشها الناس.
كما شهد اللقاء تفاعلًا لافتًا من الحضور مع مختلف محاور النقاش، من خلال مداخلات ثرية ومتنوعة قدمها الإعلاميون والكتّاب وشخصيات المجتمع، وأسهمت في إثراء الحوار وتبادل الرؤى والخبرات حول واقع المسؤولية المجتمعية، والتحديات التي تواجه المبادرات، والسبل الكفيلة بتعزيز أثرها.
وأدارت الحوار الأستاذة دعاء سامي زهران، التي أسهمت في إدارة النقاش وطرح الأسئلة التي فتحت المجال أمام د. فاطمة قاروب لاستعراض تجربتها ورؤيتها ومراحل تطور مفهوم المسؤولية المجتمعية، إلى جانب مناقشة دور الإعلام في دعم المبادرات وإيصال صوت المجتمع.
واختُتم اللقاء بعد ثلاث ساعات من الحوار المثمر، وسط تفاعل وإشادة بما تضمنه من معلومات وتجارب وأفكار قيمة، ليؤكد أهمية مثل هذه اللقاءات في تعزيز الوعي بالمسؤولية المجتمعية وترسيخ مفهومها باعتبارها مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد، وتكبر بالشراكة، ويقاس نجاحها بما تتركه من أثر حقيقي في المجتمع.









