بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه.
للحديث عن سيرة رجل من رجال الدين ومن رجال التربية والتعليم بمنطقة عسير
تُجسّد سيرة الأستاذ مُسَّفِر بن عباس بن مرعي آل عباس نموذجًا مشرّفًا لمسيرة تربوية وتعليمية حافلة بالعطاء، امتدت لأكثر من خمسة وعشرين عامًا في ميدان التعليم، تنقّل خلالها بين عدد من مدارس ومؤسسات التعليم في منطقة عسير ومدينة الرياض، قبل أن يواصل عطاءه في خدمة المجتمع من خلال عضويته في لجنة إصلاح ذات البين بمحافظة الحرجة.
وُلدت مسيرته التعليمية في قرية آل عباس بوادي يعوض بمحافظة الحرجة بمنطقة عسير، حيث بدأ دراسته في المرحلة الابتدائية بمدرسة الفكر بالكولة، وأتم المرحلة الابتدائية عام 1392هـ، ثم واصل تعليمه في متوسطة الحرجة حتى تخرجه عام 1395هـ.
وفي إطار سعيه إلى بناء مستقبله المهني في ميدان التربية والتعليم، التحق بمعهد إعداد المعلمين بأبها، وتخرج فيه عام 1398هـ، ليبدأ مسيرته الوظيفية في الخامس عشر من ذي القعدة عام 1398هـ، معلمًا في مدرسة الأمل بوادي يعوض بمحافظة الحرجة، حيث أمضى فيها أربع سنوات، كانت حافلة بالعطاء والمشاركة في العملية التعليمية.
وفي السادس عشر من ذي الحجة عام 1402هـ، انتقل إلى مركز العلوم والرياضيات بالعاصمة الرياض، مواصلًا تأهيله وتطوير مهاراته التخصصية، حتى تخرج عام 1406هـ، ليُعيّن بعد ذلك معلمًا لمادة الرياضيات في متوسطة عثمان بن عفان التابعة لإدارة التعليم بسراة عبيدة، حيث أمضى ست سنوات في تعليم الطلاب وتربيتهم.
وفي عام 1412هـ، انتقل إلى مدينة أبها، وعُيّن في مدارس مدينة سلطان التابعة للإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير، وواصل فيها رسالته التعليمية لمدة عشر سنوات، معلّمًا لمادة الرياضيات للمرحلة المتوسطة، وأسهم خلال هذه المرحلة في أداء رسالته التربوية بكل إخلاص واقتدار.
ومع حلول عام 1422هـ، انتقل إلى محافظة خميس مشيط، والتحق بـ متوسطة شعبة بن الحجاج، واستمر فيها حتى عام 1427هـ، قبل أن يطلب التقاعد المبكر، لتُختتم بذلك مسيرته التعليمية والوظيفية في 25 رجب 1427هـ، بعد رحلة حافلة بالعطاء والنشاط والتميز امتدت لنحو ربع قرن.
وخلال مسيرته المهنية، حرص الأستاذ مُسَّفِر آل عباس على تطوير قدراته العلمية والمهنية، وحصل على عدد من الشهادات والدورات المتخصصة، من أبرزها شهادة في تدريس الرياضيات الحديثة عام 1400هـ في ظهران الجنوب، إضافة إلى شهادة أخرى في تدريس الرياضيات الحديثة بسراة عبيدة، مما يعكس اهتمامه المستمر بتطوير أساليبه التعليمية ومواكبة المستجدات في مجال تخصصه.
ولم يتوقف عطاؤه عند حدود ميدان التعليم؛ إذ واصل خدمة مجتمعه بعد التقاعد، حيث تم ترشيحه عضوًا في لجنة إصلاح ذات البين بمحافظة الحرجة، واستمر في أداء هذه المهمة الإنسانية والاجتماعية حتى اليوم، مساهمًا في الإصلاح بين الناس، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز قيم التسامح والتآخي وحل الخلافات بالطرق الودية.
وتقديرًا لجهوده المميزة في لجنة إصلاح ذات البين، مُنح الشيخ مُسَّفِر بن عباس بن مرعي آل عباس شهادة شكر وتقدير من صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود، أمير منطقة عسير، وذلك عام 1443هـ، تقديرًا لما قدمه من جهود وأعمال متميزة في مجال الإصلاح وخدمة المجتمع.
وتبقى مسيرة الأستاذ مُسَّفِر آل عباس شاهدًا على أن رسالة المعلم لا تنتهي بانتهاء سنوات الخدمة، بل تمتد آثارها إلى المجتمع، من خلال الخبرة والتجربة وخدمة الناس والإسهام في الإصلاح، لتشكل هذه الرحلة نموذجًا للعطاء المستمر، والوفاء للمهنة، والإسهام في بناء الإنسان وخدمة الوطن.
ختام المسيرة.. أثرٌ يبقى وعطاءٌ لا ينتهي
وهكذا تمضي سيرة الأستاذ مُسَّفِر بن عباس بن مرعي آل عباس شاهدةً على رحلةٍ لم تكن مجرد سنواتٍ قضاها في الوظيفة، بل كانت مسيرة رسالة وعطاء وأثر؛ بدأها معلّمًا يحمل همَّ بناء الأجيال، وأمضاها مربيًا يسهم في صناعة المستقبل، ثم واصلها بعد التقاعد في ميدان إصلاح ذات البين، ساعيًا إلى جمع القلوب وإصلاح ذات النفوس.
فالأعوام التي أمضاها في التعليم لم تُقاس بعدد السنوات، وإنما بما تركته من أثر في نفوس الطلاب، وذكريات في نفوس الزملاء، وبصمات في مسيرة المجتمع. وما أجمل أن يتحول العلم الذي علّمه لأبنائه الطلاب إلى قيمٍ وسلوكٍ وخدمةٍ للناس، وأن يستمر العطاء بعد مغادرة المدرسة بصورة أخرى أكثر رحابة وإنسانية.
إن مسيرة الأستاذ مُسَّفِر آل عباس تروي قصة رجلٍ آمن بأن خدمة الوطن والمجتمع لا ترتبط بمكتب أو مسمى وظيفي، وأن الإنسان يستطيع أن يواصل رسالته ما دام في قلبه متسع للعطاء، وفي نفسه رغبة في الإصلاح، وفي يده قدرة على نفع الآخرين.
فالتقاعد أنهى مرحلةً من مسيرته، لكنه لم يُنهِ رسالته؛ غادر المدرسة، وبقي المعلّم في أثره، وغادر الميدان التعليمي، وبقيت قيمه حاضرة في مجتمعه.
وستظل هذه المسيرة بإذن الله صفحةً مضيئة في سجل أبناء الوطن الذين أعطوا من وقتهم وجهدهم وعلمهم، فاستحقوا التقدير والوفاء، لأن الوظائف تنتهي، والمناصب تتغير، ولكن الأثر الطيب يبقى، والسيرة الحسنة تعيش طويلًا في ذاكرة الناس.
نسأل الله أن يبارك للأستاذ مُسَّفِر آل عباس في عمره وعمله، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم، وأن يجعل ما بذله في التعليم والإصلاح وخدمة الناس علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وأثرًا باقيًا، وأجرًا لا ينقطع.









