مذكرات رجل مشاغب الولد الشقي سابقًا

من الصعب أن تكون أبًا

الجزء الثاني: سعود

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي

هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى أن تتعلمها من كتاب، ولا تحتاج إلى دورة تدريبية، ولا حتى إلى نصائح الأصدقاء… الأبوة واحدة منها.

تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن هناك إنسانًا صغيرًا جاء إلى الدنيا، يحمل شيئًا من ملامحك، وربما شيئًا من عنادك أيضًا، وهنا تبدأ المصيبة الجميلة!

تبدأ تنظر إليه وكأنك اكتشفت للتو أن لك نسخة مصغرة منك، ولكن المشكلة أن هذه النسخة لا تأتي معها تعليمات تشغيل، ولا ضمان، ولا حتى زر لإعادة ضبط المصنع!

تلك اللحظة التي تسمع فيها كلمة «أبي» لأول مرة، تشعر أن الدنيا كلها أصبحت أجمل… ثم بعد سنوات تكتشف أن كلمة «أبي» لها استخدامات متعددة؛ مرة للحنان، ومرة للطلبات، ومرة عندما تكون هناك مشكلة، ومرة عندما يريد الابن شيئًا وأنت تعرف أن الإجابة ستكون: «لا»!

لكن قبل كل ذلك، هناك لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى… لحظة ميلاد الطفل الأول.

وهنا بدأت حكايتي مع سعود.

حالي حال أي رجل ينتظر مولوده الأول بفارغ الصبر، وعندما جاء سعود فرحت، بل طرت من الفرحة.

شعور الأبوة شعور لا يوصف، تشعر فجأة أن هناك روحًا صغيرة أصبحت جزءًا منك، وأن مسؤوليتك لم تعد تجاه نفسك فقط، وإنما تجاه إنسان سيكبر يومًا ما، وقد يقول لك: «أبي».

لكن الحياة أحيانًا لا تمنحك الفرحة كاملة، بل تعطيك معها امتحانًا صغيرًا لتعرف هل أنت فعلًا مستعد لهذه المسؤولية أم لا!

في ذلك الوقت كنت في العمل، أو بالأحرى في مدينة أخرى تبعد عن مدينتي سبعمائة كيلومتر.

وسبعمائة كيلومتر في ذلك الوقت كانت تعني سبعمائة كيلومتر فعلًا!

كانت الطرق موجودة، والسيارات موجودة، والحمد لله عُمان لم تكن تنتظر قدوم «طرزان» حتى تكتمل وسائل النقل!

لكن المشكلة لم تكن في الطريق ولا في السيارة، وإنما في المسافة نفسها، وفي طبيعة عملي الذي أبعدني عن أسرتي، وفي مسؤوليات كثيرة كانت تنتظرني في أكثر من مكان.

كانت إجازة الأسبوع يومي الخميس والجمعة، ولذلك كنت أجمع إجازاتي الأسبوعية حتى أستطيع أخذ إجازة أسبوع كامل.

وطبعًا… أسبوع واحد لم يكن كافيًا!

فوالدتي كانت مريضة وتحتاج إلى من يعتني بها، وزوجتي وابني كانوا في مدينة أخرى، ويجب أن أذهب لزيارتهم.

وهنا بدأ التشتت الحقيقي…

أين أذهب؟

إلى أمي المريضة؟

أم إلى زوجتي وابني؟

أم إلى عملي الذي ينتظرني؟

كنت أشعر أحيانًا أنني أحتاج إلى «نسخة أخرى من فايل» حتى تتولى عني نصف هذه المسؤوليات… لكن للأسف، خدمة الاستنساخ البشري لم تكن متوفرة في ذلك الوقت!

حاولت أن أجعل الأمور أسهل، فقلت: لماذا لا تأتي زوجتي لتعيش معي، ومعها سعود؟

حل جميل، أليس كذلك؟

نعم… على الورق فقط!

حاولت نقل زوجتي إلى مدينتي، ولكن للأسف رفض المسؤولون، بحجة أنه لا يوجد بديل لها في مجال عملها.

قلت في نفسي: لا بأس، سنحاول مرة أخرى.

وحاولت.

ثم حاولت مرة ثالثة.

ثم رابعة…

حتى أصبحت أشعر أنني لا أطلب نقل موظفة، وإنما أطلب نقل جبل من مكان إلى مكان!

استمر هذا الحال خمس سنوات كاملة.

خمس سنوات وأنا أحاول نقل زوجتي إلى مدينتي، وخمس سنوات وأنا أتنقل بين العمل والأسرة، وبين الواجب والحنين، وبين مسؤولية الأم ومسؤولية الزوجة والابن.

وخلال تلك السنوات كبر سعود.

كبر وأنا أراه على فترات.

كنت عندما أزورهم أراه يركض مثل أبناء خواله، ويلعب مثلهم، وينادي الرجال من حوله بأسمائهم وألقابهم…

ثم ينظر إليّ أنا.

وأحيانًا كان يناديني مثلهم:

«عمي فايل»!

وهنا كانت الكلمة تنزل على قلبي أثقل من سبعمائة كيلومتر!

كنت أضحك في وجهه، وأحاول أن أتعامل مع الأمر ببساطة، لكن داخلي كان يقول شيئًا آخر.

ما أصعب أن يكون ابنك لا يعرف أنك أبوه.

وما أصعب أن يعتقد طفلك أن هذا الرجل الذي يدخل حياته فجأة ليس أباه، وإنما مجرد ضيف سيجلس معه ساعة، ثم يرحل عائدًا من حيث أتى.

كنت أريد أن أقول له:

يا سعود… أنا لست «عمي فايل».

أنا أبوك.

أنا الرجل الذي كان ينتظر قدومك قبل أن تعرف أنت معنى الانتظار.

أنا الذي فرحت بك حتى طرت من الفرح.

أنا الذي كان يجمع إجازاته حتى يستطيع أن يراك.

أنا الذي كان يقطع سبعمائة كيلومتر من أجل حضن واحد منك.

لكن الطفل لا يفهم كل هذه التفاصيل.

الطفل يريد أباه بجانبه.

يريد أن يستيقظ فيجده أمامه.

يريد أن يعود من المدرسة فيركض إليه.

يريد أن يمرض فيضع رأسه على صدره.

يريد أن يراه في المناسبات، وفي الأيام العادية، وفي الأيام التي لا يحدث فيها شيء على الإطلاق.

وهنا فهمت شيئًا لم أفهمه من قبل:

الأبوة ليست أن تحب ابنك فقط… الأبوة أن تكون حاضرًا في حياته.

وقد يحب الأب ابنه حبًا لا تستطيع الكلمات وصفه، لكنه إذا كان بعيدًا عنه، فقد لا يستطيع الطفل أن يرى ذلك الحب.

ولهذا كنت أردد بيني وبين نفسي:

صعب أن تكون أبًا.

صعب أن تكون أبًا وأنت بعيد.

صعب أن تكون أبًا وأنت تريد أن تعطي أكثر مما تستطيع.

صعب أن تكون أبًا عندما تكون مسؤولًا عن أم مريضة، وزوجة، وطفل، وعمل، وحياة كاملة، وكل واحد منهم يقول لك: «نحتاجك».

لكن رغم كل ذلك…

كان سعود يكبر.

وكانت الأيام تمضي.

وكانت علاقتي به تبحث عن طريقها، بين المسافات والزيارات والغياب والانتظار.

وربما لم أكن أعرف وقتها أن هذه السنوات الخمس ستترك في داخلي حكاية لن أنساها ما حييت.

حكاية أب أحب ابنه كثيرًا…

لكن المسافة كانت تحاول أن تسرق منه حقًا بسيطًا جدًا:

أن يسمع ابنه يناديه:

أبي.

وللذكريات بقية…

فبعض الحكايات لا تنتهي عندما نضع النقطة، وإنما تبدأ من جديد عندما نتذكرها.

مع تحيات

الولد الشقي سابقًا

الحكواتي حاليًا

صدى نيوز اس 1

Related Posts

إلى ملهمتي التي جاءت إلى القلب دون استئذان

ا. محمد باجعفر لا أعرف متى تحوّل حضورك من مجرد حضورٍ عابر إلى شيءٍ يشبه الضوء في داخلي؛ كل ما أعرفه أنني كلما كتبت، وجدتكِ بين السطور، وكلما بحثت عن عبارةٍ تشبه الجمال، مرّ طيفكِ في خاطري. أنتِ لستِ امرأةً أكتب عنها فحسب، بل امرأةٌ تكتب نفسها في داخلي دون أن تشعر… في تفاصيل يومي، في هدوء المساء، وفي تلك اللحظات التي أجلس فيها وحيدًا فأكتشف…

اليوم الوطني المجيد تذكرًا وتذكيرًا وشكرًا ودعاء 

سيدة الاعمال هويدا سمسم :جدة:- بسم الله وعلى بركة الله راية توحيد ترفرف لا اله الا الله محمد رسول الله 96 عام قصة مملكة ملك وملوك وامراء وابناء ملك وولي عهد وبناء /96 عام ولاء يتردد وبيعة تتجدد قصة مملكة 96 عام تحكي سيرة صقور جارحة جبال شامخة 96 عام تحكي مسيرة دولة رجالها كبيرها وصغيرها نساء وابناء يشارك البناء شعب يغرد دام عزك ياوطن دام…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

أحمد سعد يتوج بجائزة النجم العربي الجماهيري في Murex d’Or 2026

أحمد سعد يتوج بجائزة النجم العربي الجماهيري في Murex d’Or 2026

إلى ملهمتي التي جاءت إلى القلب دون استئذان

إلى ملهمتي التي جاءت إلى القلب دون استئذان

اليوم الوطني المجيد تذكرًا وتذكيرًا وشكرًا ودعاء 

اليوم الوطني المجيد تذكرًا وتذكيرًا وشكرًا ودعاء 

صلالة تتأهب لإطلاق الدورة الثانية لـ «مهرجان ظفار السينمائي الدولي» الأحد المقبل

صلالة تتأهب لإطلاق الدورة الثانية لـ «مهرجان ظفار السينمائي الدولي» الأحد المقبل

أمانة جدة تضبط أنشطة عشوائية بالمحجر 3 أطنان من الأغذية و275 دجاجة في مسالخ مخالفة

أمانة جدة تضبط أنشطة عشوائية بالمحجر 3 أطنان من الأغذية و275 دجاجة في مسالخ مخالفة

«مقر للأعمال» تطلق حملة «خلّي لك في أبحر مقر» لتعزيز مجتمع الأعمال في شمال جدة

«مقر للأعمال» تطلق حملة «خلّي لك في أبحر مقر» لتعزيز مجتمع الأعمال في شمال جدة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode