الموت غيّب من كان مجلسه مشرعًا للضيوف.. رجل المكارم الأستاذ علي محمد البجادي الغامدي

بقلم أ. غميص الظهيري.

مساء اليوم الأحد، ٢٤ / ٣ / ١٤٤٨ هـ ، ودّعنا، وودّع محبوه وأسرته وأصدقاؤه ومعارفه، رجلًا عزيزًا على القلوب، انتقل من دار الدنيا إلى جوار ربه، تاركًا خلفه سيرةً عطرة، وذكرًا حسنًا، وأثرًا طيبًا لا تمحوه الأيام.

إنه الأستاذ علي محمد الغامدي، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

رحل رجلٌ عُرف بالجود والكرم، وحسن المعشر، وطيب الخلق، حتى أصبح تقديره واحترامه قاسمًا مشتركًا بين كل من عرفه. فقده الجميع؛ لأنه لم يكن شخصًا عابرًا في حياة من حوله، بل كان حاضرًا في أفراحهم وأتراحهم، قريبًا من الجميع، محبًا للخير، ساعيًا في الإصلاح، ومبادرًا إلى فعل المعروف.

وكان مجلسه في حي النسيم بمكة المكرمة شاهدًا على كرمه ومحبته للناس؛ فقد كان مجلسًا مشرع الأبواب للضيوف، يرتاده عابرو السبيل، والأصدقاء، والجماعة، والمعارف، وكل من وجد فيه صدرًا رحبًا ووجهًا بشوشًا ومكانًا يأمن فيه الغريب ويأنس فيه القريب.

وكان جاري، ابن أخته، الأستاذ محمد عوض الغامدي، يمر بي كل يوم تقريبًا ويقول: «خالي عنده ضيوف». وكأن الضيوف كانوا جزءًا أصيلًا من يومه وحياته، وكأن مجلسه لم يُبنَ بالحجارة، وإنما بُني بالمحبة والكرم وحسن الاستقبال.

كان الأستاذ علي، رحمه الله، محبًا للإصلاح، فإذا تحدث أنصت الجميع واستمعوا؛ لما لكلماته من وقع في النفوس، ولما عُرف عنه من رجاحة عقل وحكمة وحسن تقدير. وكان دائم الابتسامة، طلق المحيا، يشرح خاطر من حوله، ويترك في نفوس محبيه أثرًا طيبًا لا يُنسى.

لقد كان من أصحاب مكارم الأخلاق، وله مكانة وجاه عند كل من عرفه، ليس جاه المال أو المنصب، وإنما جاه المحبة والاحترام، ذلك الجاه الذي يبنيه الإنسان في قلوب الناس طوال سنوات عمره بالمواقف النبيلة، والوقوف مع الآخرين، وإغاثة المحتاج، وإكرام الضيف، وإصلاح ذات البين.

واليوم، حين حضرت جنازته، رأيت مشهدًا يختصر شيئًا من مكانة هذا الرجل في قلوب الناس. كان المعزون والمشيعون بالمئات، بل لعلهم بالآلاف؛ رجالًا كبارًا في السن، قدم بعضهم من مرتفعات جبل شدا، ومن محافظات المخواة وقلوة، ومن مناطق مختلفة من المملكة، وقد جاء بعضهم مستندًا إلى أبنائه، أو على عربات، تحملهم مشقة الطريق والتعب، لكنهم أبوا إلا أن يحضروا وفاءً واحترامًا وإجلالًا لمقام رجلٍ عرفوه بالوفاء والطيب والنخوة والمواقف المشرفة.

ذلك المشهد لم يكن مجرد تشييع لجثمان رجل؛ بل كان شهادة صامتة من الناس على حياة عاشها الفقيد بينهم بالخير والمحبة.

فالإنسان قد يرحل بجسده، لكن سيرته تبقى، وأثره يظل حيًا في ذاكرة من عرفوه. وما رأيته اليوم من حضورٍ كبير ومشاعر صادقة، يؤكد أن الأستاذ علي محمد الغامدي لم يكن رجلًا عاش لنفسه، بل عاش بين الناس، وترك في قلوبهم ما يستحق أن يُذكر به بعد رحيله.

والحقيقة أنني أكتب هذه الكلمات وأناملي ترتجف، خشية ألا أوفيه حقه، أو أن تعجز الكلمات عن الإحاطة بما كان يتصف به هذا الرجل من خصال حميدة ومكارم كثيرة. فبعض الرجال أكبر من أن تختصرهم سطور، وأعظم من أن تصفهم الكلمات، لأن سيرتهم تُروى بالمواقف، ويشهد لهم الناس قبل الأقلام.

ولعلي أسهم، ولو بالقليل، في ذكر بعض محاسن فقيدنا الغالي، وفاءً لرجلٍ يستحق الوفاء، وإحياءً لسيرة طيبة ستبقى في ذاكرة محبيه.

ويعذرني إخوتي وأحبة الفقيد وقبيلته خاصة، وقبائل الشدوان وغامد عامة، إن قصرت هذه الكلمات عن مقامه؛ فمكانة الفقيد أكبر من ثقافتي، وسيرته أوسع من أن تستوعبها مقالة.

رحم الله الأستاذ علي محمد الغامدي رحمةً واسعة، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل ما قدمه من خير وكرم وإصلاح ومواقف نبيلة في موازين حسناته.

وأحسن عزاء أسرته ومحبيه وقبيلته، وجبر مصابهم، وربط على قلوبهم.

رحم الله رجل المكارم، فقد غيّبه الموت عن أعيننا، لكنه لن يغيب عن ذاكرة من أحبوه وعرفوا قدره.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

سلسلة حياتك السعيدة (49) لذة التجرد.. كيف تجد سعادتك في إيثار ما عند الله تعالى؟

  بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان أقصى درجات الحرية أن تتحرر من أسر رغباتك، وأسمى معاني السعادة أن تقدم ما يحبه الله تعالى على ما تهواه نفسك. فالتجرد الصادق ليس حرمانًا من متع الحياة، بل هو ارتقاء بالروح، وتحرر من التعلق بما يفنى، وإيثار لما يبقى عند الله تعالى. حين تترك شيئًا ابتغاء مرضاة الله تعالى، فأنت لا تخسر بالضرورة، بل قد تفتح لنفسك…

نفس الكأس ..

    الكاتبة : فاطمة روزي ..   عشتُ حياة هادئة بعد زوبعة مهلكة كادتْ تعصف بكل ما بنيته من أحلام، كانت الأيام الماضية كعاصفة هوجاء لم تترك خلفها سوى الركام، لكنني قررت ألا أكون جزءً من ذلك الحطام، بيمين حاسمة، وإرادة قاطعة, أغلقتُ أرشيف الذكريات الأليمة, وألبوم الماضي الصارم، أقفلتُ مزلاجه الصدئ الجاف، ودفنت مفاتيحه في أعماق النسيان السحيق، ولم ألتفت ورائي قط ..  …

لقد فاتك ذلك

برعاية وزير التعليم.. انطلاق النسخة الثالثة من ملتقى القطاع غير الربحي في التعليم والتدريب 2026

برعاية وزير التعليم.. انطلاق النسخة الثالثة من ملتقى القطاع غير الربحي في التعليم والتدريب 2026

سلسلة حياتك السعيدة (49) لذة التجرد.. كيف تجد سعادتك في إيثار ما عند الله تعالى؟

سلسلة حياتك السعيدة (49)  لذة التجرد.. كيف تجد سعادتك في إيثار ما عند الله تعالى؟

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يسلط الضوء على خفايا صحافة الميدان وتحدياتها المهنية

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يسلط الضوء على خفايا صحافة الميدان وتحدياتها المهنية

التدشين والحكام والإعلام على طاولة استعدادات بطولة الهواة بالشرقية

التدشين والحكام والإعلام على طاولة استعدادات بطولة الهواة بالشرقية

جمعية أدبي جدة” يناقش “مستقبل السرد بين النشر الورقي والإلكتروني” وسط حضور نخبوي

جمعية أدبي جدة” يناقش “مستقبل السرد بين النشر الورقي والإلكتروني” وسط حضور نخبوي

فضيلة الشيخ ناصر بن ردعان يزور جمعيتي التنمية الاجتماعية وانبثاق الشبابي بأحد رفيدة

فضيلة الشيخ ناصر بن ردعان يزور جمعيتي التنمية الاجتماعية وانبثاق الشبابي بأحد رفيدة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode