كاتبة رأي / ايمان المغربي
سقوط السند ليس اختباراً لمن يسنده بقدر ما هو اختبار لنفسه على الوقوف.
فالإنسان الذي اعتاد أن يكون سنداً لغيره قد تأتي عليه لحظة يحتاج فيها إلى من يقف بجواره. ليس لأنه فقد قوته وإنما لأن الإنسان مهما بلغت قدرته يحتاج أحياناً إلى من يشاركه حمل لحظة ثقيلة.
وقد يكون في داخله عشم بأن يجد من يسنده كما اعتاد أن يسند غيره. لكنه قد يفاجأ بأن من كان يتوقع وجودهم لم يكونوا هناك بينما حضر أشخاص لم يكونوا أصلاً في حساباته.
وأحياناً لا يأتي السند من أحد.
وهذه ربما تكون أقسى المفاجآت لأن الإنسان يجد نفسه أمام نفسه دون ترتيب مسبق فيعرف أن عليه أن يبدأ الوقوف من المكان الذي يقف فيه وأن يستمد قوته من الله عزوجل أولاً ثم مما أودعه الله سبحانه وتعالى فيه من قدرة على النهوض.
وقد يكون حوله من يقف ظاهرياً لكنه لا يقف ليسند. فهناك من ينتظر سقوط القوة ليتأكد أنها سقطت ومن يقترب من لحظة الضعف لا ليخففها وإنما ليرى كيف سيكون الألم. وهنا يتعلم الإنسان أن القرب ليس دائماً مساندة وأن الوقوف بجوار شخص لا يعني بالضرورة الوقوف معه.
أن بعض الناس اعتادوا أن يروا السند قوياً وقادراً على تحمل الآخرين فلما يضعف أو يحتاج إلى مساندة يتفاجؤون هم أنفسهم لأنهم كانوا ينظرون إليه دائماً على أنه الشخص الذي يسندهم وليس الشخص الذي يحتاج إلى من يسنده.
وقد يكتشف السند في تلك اللحظة أن البعض اعتادوا قوته حتى نسوا أنه إنسان يحتاج أحياناً إلى من يقف بجواره. وهذه معرفة مؤلمة لكنها ليست بالضرورة دعوة للعتاب وإنما فرصة لإعادة فهم المسافات وحدود العطاء.
حين يسقط السند لا تسقط الحقيقة. لا تسقط قيمته لأنه احتاج ولا يصبح ما قدمه للآخرين أقل قيمة لأنه لم يجد في لحظة احتياجه ما كان يتوقعه.
كما أن غياب شخص في وقت معين لا يمنح الإنسان حق الحكم على كل ما كان بينهما فقد تكون هناك أسباب لا يعرفها وقد يكون الحضور نفسه خارج قدرة بعض الناس. لذلك يكفي أن يرى ما حدث كما هو دون أن يبني عليه أكثر مما يحتمل.
وفي المقابل قد يحمل حضور شخص لم يكن في الحسابات معنى مختلفاً. فبعض المواقف تقدم لنا أشخاصاً لم ننتبه إلى مكانتهم من قبل لأن حضورهم جاء في وقته.
وهنا يصبح الإنسان أكثر وعياً بأن المواقف لا تمنحه دائماً إجابات جاهزة عن الناس وإنما تمنحه فرصة ليرى الأشياء بوضوح أكبر. فلا يبالغ في تقدير من حضر ولا يظلم من غاب ولا يجعل لحظة واحدة حكماً نهائياً على علاقة كاملة.
ومع مرور التجربة يفهم السند أن العطاء لا يعني أن يجعل نفسه متاحاً بلا حدود وأن مساندة الآخرين لا تعني حمل مسؤولياتهم بدلاً عنهم. هناك فرق بين أن تمد يدك لمن يحتاجها وبين أن تجعل استمرار الآخرين متوقفاً عليك.
ومن هنا يصبح حسن الاختيار جزءاً من العطاء. فالإنسان يستطيع أن يكون كريماً في وقته وجهده ومساندته وفي الوقت نفسه يعرف متى يعطي ومتى يترك للآخر مساحة يعتمد فيها على نفسه.
ولا يحتاج السند إلى أن ينتظر سقوطه حتى يعرف من حوله. فالمواقف تتغير ومعها تتغير قدرة كل شخص على الحضور والمساندة لذلك لا ينبغي أن يجعل الإنسان توقعاته أساساً لاستمراره.
والوعي هنا ليس أن يتوقف الإنسان عن العطاء خوفاً من خيبة الأمل وإنما أن يعطي وهو يعرف أن العطاء اختيار وليس ضماناً بأن يرد له الآخرون الشيء نفسه. فحين يصبح العطاء مشروطاً بما سيعود على صاحبه يتحول من قيمة جميلة إلى انتظار مستمر للمقابل.
وحين يعود السند إلى الوقوف لا يعود بالضرورة بالشخص نفسه الذي كان عليه قبل أن يميل. قد يعود أكثر انتباهاً لطاقته وأقل تعلقاً بالتوقعات وأكثر تقديراً لمن حضر دون طلب وأكثر فهماً لمعنى أن يسند الإنسان غيره دون أن يفقد نفسه.
وقد لا يحتاج بعد ذلك إلى أن يثبت لأحد أنه عاد قوياً. فبعض النهوض لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى تفسير. يكفي أن يعود الإنسان إلى نفسه وأن يعرف ما الذي سيحمله معه من التجربة وما الذي سيتركه خلفه.
وفي النهاية ليس المطلوب من السند ألا يميل فالميل جزء من قدرة الإنسان على معرفة نفسه كما هي لا كما اعتاد الآخرون أن يروها.
المهم أن يعرف كيف يعود وأن يأخذ من لك اللحظة ما يعينه على الاستمرار وأن يبقى قادراً على العطاء دون أن يجعل عطاءه سبباً في غيابه عن نفسه.
فحين يسقط السند لا تسقط الحقيقة وإنما تسقط أحياناً صورة قديمة وتبقى الحقيقة أوضح من قبل






