بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حيه
الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وأغلى ما يملكه في هذه الحياة؛ فالأموال يمكن تعويضها، والفرص قد تتكرر، أما اللحظة التي تمضي من العمر فلا تعود.
ولهذا عظّم الإسلام شأن الوقت، وأقسم الله تعالى بأجزاء منه في القرآن الكريم، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾.
ويكشف النبي صلى الله عليه وسلم حجم الخسارة الناتجة عن التفريط في الوقت بقوله: «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَراغُ».
فالفراغ ليس نعمة إذا تحول إلى ساعات مهدرة، وإنما هو فرصة ينبغي اغتنامها في الطاعة والعلم والعمل النافع وخدمة الناس.
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم باغتنام الفرص قبل زوالها، فقال: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ».
والوقت ليس مجرد ساعات تتعاقب، بل هو العمر الذي سيُسأل عنه الإنسان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزولُ قَدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعٍ: عن عُمرِه فيما أفناهُ…».
ومن هنا كان السلف شديدي الحرص على أوقاتهم، ومن أشهر ما نُقل عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي».
وإذا كان الموت هو النهاية المحتومة لكل إنسان، فإن التسويف أخطر ما يبدد العمر؛ قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾. فالمؤمن لا ينتظر الغد ليعمل، ولا يؤجل التوبة، ولا يؤخر الصدقة، ولا يترك الخير حتى تفوته الفرصة.
إن حسن استثمار الوقت يبدأ بمحاسبة النفس، وترتيب الأولويات، وتنظيم الأعمال، والابتعاد عن المشتتات، وتقليل الانشغال بما لا ينفع، مع تخصيص أوقات ثابتة للصلاة والقرآن والذكر وطلب العلم والعمل وصلة الرحم والصدقة وخدمة المجتمع.
وفي عصر تتسابق فيه مواقع التواصل والألعاب والمشتتات على استنزاف الساعات، أصبح تنظيم الوقت ضرورة لا ترفًا؛ فالإنسان الذي لا يدير وقته سيجد أن وقته قد أُدير عنه.
والنجاح لا يحتاج إلى ساعات إضافية، بقدر ما يحتاج إلى استثمار الساعات المتاحة فيما يستحق.
فالوقت يمضي في كل الأحوال، والسؤال الذي ينبغي أن يراجع الإنسان نفسه بشأنه ليس: كم بقي من الوقت؟ وإنما: ماذا صنعت بما مضى؟ وماذا سأفعل بما بقي؟
إنها دعوة لأن نحفظ أعمارنا قبل أن تُطوى صفحاتها؛ فكل دقيقة تمر هي جزء من العمر، وكل عمرٍ يمضي لا يعود.






